تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
ولم ينشده الفراء لهذا ، بل جعل « إمّا » [ الثانية ] نائبة عن « أو » ، ولا حذف في الكلام ، وهذا نصّه نقلناه برمّته لكثرة فوائده ، قال عند تفسير قوله تعالى « 1 » :
« إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ »
: أدخل « أن » في « إمّا » لأنها في موضع أمر بالاختيار ، فهي في موضع نصب ، كقول القائل : اختر ذا أو ذا « 2 » . فإن قلت : إنّ [ أو ] في المعنى بمنزلة « إمّا » ، [ وإمّا ] فهل يجوز أن تقول : يا زيد أن تقوم ، أو تقعد ، تريد اختر أن تقوم أو تقعد ؟ قلت : لا يجوز ذلك ، لأن أول الاسمين في « أو » يكون خبرا يجوز السكوت عليه ، ثم تستدرك الشكّ في الاسم الآخر ، فتمضي الكلام على الخبر . ألا ترى أنك تقول : قام أخوك ، وتسكت . وإن بدا لك قلت : أو أبوك . فأدخلت الشكّ ، والاسم الأول مكتف يصلح السكوت عليه . وليس يجوز أن تقول : ضربت إمّا عبد اللّه ، وتسكت . فلما آذنت « إمّا » بالتخيير من أول الكلام ، أحدثت لها « أن » . ولو وقعت « إمّا » وإمّا مع فعلين قد وصلا باسم معرفة أو نكرة ، ولم يصلح الأمر بالتخيير في موضع « إمّا » ، لم يحدث فيها « أن » ، كقوله تعالى « 3 » :
« وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ »
. ولو جعلت أن في مذهب كي ، وصيّرتها صلة لمرجون ، تريد : أرجئوا لأن يعذّبوا أو يتاب عليهم ، صلح ذلك في كلّ فعل تام ، ولا يصلح في كان وأخواتها ، ولا في ظننت وأخواتها . من ذلك أن تقول : آتيك ، إمّا أن تعطي ، وإمّا أن تمنع . وخطأ أن تقول : أظنّك إمّا أن تعطي ، وإمّا أن تمنع ، ولا أصبحت إمّا أن تعطي ، وإما أن تمنع . ولا تدخل « أو » على « إمّا » ، ولا « إمّا » على « أو » . وربّما فعلت العرب ذلك لتآخيهما في المعنى ، على التوهّم ، فيقولون : عبد اللّه إمّا جالس أو ناهض .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 115 . ( 2 ) بعده في معاني القرآن للفراء 1 / 390 : " ألا ترى أن الأمر بالاختيار قد صلح في موضع إما " . ( 3 ) سورة التوبة : 9 / 106 .