كان يأتي اليزيديّ ، فيسأله عن مسائل كالمتعنّت ، فإذا أجابه عنها انصرف منكسرا ، فقال فيه « 1 » : ( الوافر )
إذا عافى مليك النّاس عبدا * فلا عافاك ربّك يا قتيبة
طلبت النّحو مذ أن كنت طفلا * إلى أن جلّلتك قبحت شيبه « 2 »
فما تزداد إلّا النّقص فيه * فأبت لدى الإياب بشرّ أوبه « 3 »
وكنت كغائب قد غاب حينا * فطال مقامه وأتى بخيبه
وروي عنه أنه قال « 4 » : كان عيسى بن عمر أعلم الناس بالغريب ، فأتاني قتيبة الخراساني ، فقال : أفدني شيئا من الغريب أعايي به عيسى بن عمر « 5 » . فقلت له :
أجود المساويك عند العرب الأراك ، وأجود الأراك عندهم ما كان متمئرّا ، عجارما جيدا « 6 » .
وقد قال الشاعر « 7 » : ( الطويل )
إذا استكت يوما بالأراك فلا يكن * سواكك إلّا المتمئرّ العجارما
يعني الأير . يقال : اتمأرّ الشيء ، إذا اشتدّ . و « العجارم » : الأير الغليظ .
قال : فكتب قتيبة ما قلت له ، وكتب البيت ، ثم أتى عيسى بن عمر في مجلسه ، فقال : يا أبا عمر ، ما أجود المساويك عند العرب ؟ فقال : الأراك . فقال له قتيبة :
أفلا أهدي إليك منه شيئا متمئرا عجارما ؟
فقال : أهده إلى نفسك . وغضب ، وضحك كلّ من كان في مجلسه ، وبقي قتيبة
هامش
( 1 ) الأبيات لأبي محمد اليزيدي في الأغاني 20 / 221 - 222 .
( 2 ) قبحت : أي : قبحك الله ، أراد : أبعدك الله عن كل خير .
( 3 ) في طبعتي بولاق وهارون والنسخة الشنقيطية : " فأنت " . وهو تصحيف لا يستقيم معه المعنى . وقد صوبناه .
أبت من الإياب . والأوبة : العودة والرجوع .
( 4 ) الخبر في الأغاني 20 / 222 .
( 5 ) كذا في جميع طبعات الخزانة والأغاني . وأعايي من المعاياة ، وهو أن يأتي المتكلم بكلام لا يهتدى له .
( 6 ) المتمئر : الذكر الصلب . والعجارم : الرجل الشديد ، ويكنى به عن الذكر .
( 7 ) البيت بلا نسبة في الأغاني 20 / 222 .