وهذا الكلام وأمثاله من أقاويل العشّاق على سبيل الشكوى من صدّ الأحباب ، وبعدهم بعد الدنوّ والاقتراب ، ومرّ هجرانهم عقب حلو الوصال ، وبخلهم على مساكين العشق بطيف الخيال . ليس بذمّ صرف ، إنما يوردونه لأحد غرضين : إمّا لإظهار التلذّذ بالصبر على ما يفعله المعشوق والرضا بأفعاله ، كما قال ابن أبي الحديد : ( الكامل )
متغيّر متلوّن متعنّت * متعتّب متمنّع متدلّل
ذكر عدّة خصال من جناية الحبيب وتجنّيه ، وتلوّنه وتأبّيه .
ثم قال بعد ذلك :
أستعذب التّعذيب فيه كأنّما * جرع الحميم هي البرود السّلسل
وإمّا لتنفير من يسمع بحسن معشوقهم عن عشقه ، بذكر بخله بوصاله ، وتعنّته ودلاله ، فيصفو مورد العشق من كدر الغيرة والمزاحم ، ويخلو العاشق بما يجلو بصره من المشاهدة .
وقد عرّض بهذا الغرض ابن سناء الملك في قوله : ( الكامل )
أشكو إليها رقّتي لترقّ لي * فتقول تطمع بي وأنت كما ترى
وإذا بكيت دما تقول شمتّ بي * يوم النّوى فصبغت دمعك أحمرا
من شاء يمنحها الغرام فدونه * هذي خلائقها بتخيير الشّرا
وقد صرّح به ابن أبي الحديد في قوله : ( الطويل )
فيا ربّ بغّضها إلى كلّ عاشق * سواي وقبّحها إلى كلّ ناظر
وقد بالغ ابن الخيّاط في تصريحه بغيرة العشّاق ، فأحسن ، حيث قال : ( الطويل )
أغار إذا آنست في الحيّ أنّة * حذارا وخوفا أن يكون لحبّه
وربّما عيب على كعب هذا الكلام ، لأنه يشعر بأنّ معشوقته تعد وتخلف وتبدّل . ويجاب بأنّ مراده المبالغة في فرط دلالها ، وبخلها بوصالها ، بحيث لو صاحبت إنسانا ، لاستبدلت به وفجعته ، ولو وعدت بالوصل لكذبت في وعدها ومطلته على أنها لا تصاحب مصادقا ، ولا تعد بوصالها عاشقا . وهو قريب من قول