وجرح دريد فسقط ، فكفّوا عنه وهم يرون أنه قد قتل .
واستنقذوا المال ونجا من هرب ، فمرّ الزّهدمان ، وهما من عبس : زهدم وقيس :
ابنا حزن بن وهب بن رواحة .
قال دريد : فسمعت زهدما العبسيّ يقول لكردم الفزاري : إنّني أحسب دريدا حيّا ، فانزل فأجهز عليه . قال : قد مات .
قال : انظر إلى سبّته هل ترمّز « 1 » ؟ فشددت من حتارها « 2 » . قال : فنظر ، فقال :
قد مات . فولّى عنه ، ومال بالزّجّ إلى سبّته فطعنه فيها ، فسال دم كان قد احتقن في جوفه .
قال دريد : فعرفت الخفّة حينئذ ، حتى إذا كان الليل مشيت وأنا ضعيف قد نزفني الدّم حتى ما أكاد أبصر ، فمرّت بي جماعة تسير ، فدخلت فيهم ، فوقعت بين عرقوبي بعير ظعينة « 3 » ، فنفر البعير ، فنادت : أعوذ باللّه منك ! فأنتسب لها ، فأعلمت الحيّ بمكاني ، فغسل عنّي الدم ، وزوّدت زادا وسقاء فنجوت .
ورثاه بهذه القصيدة . ثم حجّ كردم بعد ذلك في نفر من بني عبس ، فلما قاربوا ديار دريد « 4 » تنكّروا خوفا ، ومرّ بهم دريد فأنكرهم ، ثم عرف كردما فعانقه ، وأهدى له فرسا وسلاحا ، وقال له : هذا ما فعلت بي يوم اللّوى . انتهى .
وقوله : « نصحت لعارض » . . . إلخ ، « عارض » : قوم من بني جشم ، كان دريد نهاهم عن النزول حيث نزلوا فعصوه ، و « رهط بني السّوداء » فيهم . و « القوم شهّدي » ، أي : حاضرين مقامي ، أو شهودي أنّي قد نهيتهم « 5 » .
وقوله : « فقلت لهم ظنّوا » . . . إلخ ، استشهد به صاحب الكشاف عند قوله
هامش
( 1 ) ترمز : تتحرك . والسّبة - بالفتح - : الاست .
( 2 ) في طبعة بولاق : " فشت " . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية .
الحتار - بالكسر - : أطراف جلدة الاست ، أو حلقة الدبر . وبعده في الأغاني : " أي من شرجها " .
( 3 ) في طبعة بولاق : " ظعينته " . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية والأغاني .
الظعينة : المرأة في الهودج .
( 4 ) في طبعة بولاق : " دار دريد " . ولقد أثبتنا رواية الأغاني والنسخة الشنقيطية .
( 5 ) وفي شرح الحماسة للتبريزي 2 / 156 : " عارض : هو أخو دريد ، وكانت له ثلاثة أسماء عارض وعبد الله وخالد . وعبد الله كان أسود إخوته " .