فوفدا سنة من السنين فقال المنذر لخالد يوما ، وهم على الشراب : يا خالد ، من ربّك ؟ فقال خالد : عمرو بن مسعود ربّي وربّك ! فأمسك عليهما ثم قال لهما : ما يمنعكما من الدخول في طاعتي ، وأن تدنوا منّي ، كما دنت تميم وربيعة ؟ فقالا :
أبيت اللعن ، هذه البلاد لا تلائم مواشينا ، ونحن مع هذا قريب منك بهذا الرمل ، فإذا شئت أجبناك .
فعلم أنهم لا يدينون له ، وقد سمع من خالد الكلمة الأولى ، فأوحى إلى الساقي فسقاهما سمّا ، فانصرفا من عنده بالسّكر على خلاف ، ما كانا ينصرفان ، فلما كان في بعض الليل أحسّ حبيب بن خالد بالأمر ، لما رأى من شدّة سكرهما ، فنادى خالدا فلم يجبه ، فقام إليه فحرّكه فسقط بعض جسده ، وفعل بعمرو مثل ذلك فكان حاله كحال خالد « 1 » ، وأصبح المنذر نادما على قتلهما .
فغدا عليه حبيب بن خالد ، فقال : أبيت اللعن ، أسعدك الأهل ، نديماك وخليلاك تتابعا « 2 » في ساعة واحدة ، فقال له : يا حبيب ، أعلى الموت تستعديني ، وهلى ترى إلّا ابن ميّت ، وأخا ميت ؟
ثم أمر فحفر لهما قبران بظاهر الكوفة ، فدفنا فيهما ، وبنى عليهما منارتين ، فهما الغريّان ، وعقر على كلّ قبر خمسين فرسا ، وخمسين بعيرا ، وغرّاهما بدمائهما ، وجعل يوم نادمهما يوم نعيم ، ويوم دفنهما يوم بؤس . هذا ما أورده ابن حبيب .
وقال القاليّ في « ذيل أماليه » « 3 » : حدّثنا أبو بكر بن دريد ، قال : أخبرنا عبد الرحمن عن عمه ، قال : قال لي عمي : سمعت يونس بن حبيب ، يقول : كان المنذر ابن ماء السماء جدّ النعمان بن المنذر ، ينادمه رجلان من العرب : خالد بن المضلّل ، وعمرو بن مسعود الأسديّان .
فشرب ليلة معهما فراجعاه الكلام فأغضباه ، فأمر بهما فجعلا في تابوتين « 4 » ودفنا بظاهر الكوفة ؛ فلمّا أصبح سأل عنهما فأخبر بذلك ، فندم وركب حتى وقف
هامش
( 1 ) في طبعة بولاق : " حاله كحاله " . ولقد أثبتنا ما في النسخة الشنقيطية ونوادر المخطوطات ( أسماء المغتالين ) .
( 2 ) كذا في جميع طبعات الخزانة ونوادر المخطوطات . وفي حاشية طبعة هارون 11 / 271 : " وأراها - تتايعا - بالياء المثناة التحتية ، أي : تساقطا " .
( 3 ) ذيل الأمالي ص 195 .
( 4 ) في ذيل الأمالي ص 195 : " فقتلا وجعلا في تابوتين " .