فزعموا : أنّ هل لا تأتي بمعنى قد أصلا . وهذا هو الصواب عندي ، إذ لا متمسّك لمن أثبت ذلك إلّا أحد ثلاثة أمور :
أحدها : تفسير ابن عباس رضي اللّه عنهما ، ولعلّه إنما أراد أنّ الاستفهام في الآية للتقرير وليس باستفهام حقيقيّ . وقد صرح به جماعة من المفسرين ، وقال بعضهم « 1 » :
لا تكون هل للاستفهام التقريري ، وإنما ذلك من خواصّ الهمزة . وليس كما قال .
والثاني : قول سيبويه الذي شافه العرب ، وفهم مقاصدهم . وقد مضى أنّ سيبويه لم يقل ذلك .
والثالث : دخول الهمزة عليها في البيت ، والحرف لا يدخل على مثله في المعنى ، وهو شاذّ ويمكن تخريجه على أنّه من الجمع بين حرفين بمعنى واحد على سبيل التوكيد .
انتهى باختصار .
ويرد عليهما أنّ ما ردّاه هو قول سيبويه إمام البصريّين والمبرد ، وقول إمام الكوفيين الكسائيّ وتلميذه الفراء ، وكلّهم أئمة النحو والتفسير واللغة ، وقد خالطوا العرب الفصحاء ، وسمعوا كلامهم ، وفهموا مقاصدهم ، وثبت النقل عنهم ، فيتعيّن الأخذ به وردّ من خالفهم في هذا الباب . واللّه أعلم بالصواب .
وقوله : « أهل عرفت الدّار بالغريّين » هو من قصيدة لخطام المجاشعيّ ، تقدّم شرح أبيات منها في الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة ، مع ترجمته « 2 » .
قال اللخمي في « شرح أبيات الجمل » : هذه القصيدة من بحر السريع وربما حسب من لا يحسن العروض أنها من الرجز . وليس كذلك ، لأنّ الرجز لا يكون فيه معولان فيردّ إلى فعولان . ومثله : ( السريع )
* قد عرّضت أروى بقول إفناد « 3 » *
وهو مستفعلن مستفعلن فعولان . انتهى .
هامش
( 1 ) في المغني : " فقال بعضهم " .
( 2 ) الخزانة الجزء الثاني ص 280 .
( 3 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " بقولي إنجاد " . وهو تصحيف صوابه من ديوان رؤبة .
الرجز لرؤبة في ديوانه ص 38 ؛ وهو بلا نسبة في تاج العروس ( فند ) ؛ ولسان العرب ( فند ) .
والإفناد : مصدر أفند ، إذا خرف وأنكر عقله من هرم أو مرض . -