وأراد أبو ذؤيب الاعتذار إلى المرأة لمّا قالت : إنّك لا تحبّني ، فقال متنصّلا إليها ، وذاكرا الوجه الذي تداخلها منه ، ما أشكلها ، وأخرجها إلى عتبه وسوء الظنّ به :
إنّ احتججت في دعواك عليّ بأنّي كنت أستعمل الجهل في حبّكم فأقدم على الأمور المنكّرة ، وأركب الأهوال المردية ، والآن قد كففت وكنت أتعاطى من اللهو والصّبا ما قد اطّرحته الساعة ، فدلّك ذلك على زوال الحبّ .
فليس استدلالك بصحيح ، وما حدث لي استغناء عنك ، ولا استبدلت بحبّك قلاك ، ولكني تحلّمت ، فجميع ما ترينه ، وتنكرينه من العادات المستجدّة نتائج الحلم والعقل . فأمّا الحبّ فكما كان ، والأيام تزيده استحكاما . وشريت واشتريت بمعنى ، وهو هنا مثل . انتهى كلامه .
أقول : وأورده سيبويه في « باب ظننت وأخواتها من أوائل كتابه » فإنه بعد أن ذكر عملها ، قال : ومما جاء في الشعر معملا قول أبي ذؤيب . وأنشد البيت .
ولم يرد أنّ عملها إنما يكون في الشعر ، وإنما أراد : ومما جاء في الشعر شاهدا على إعمالها هذا البيت . والياء المفعول الأول ، وجملة « كنت أجهل فيكم » في موضع المفعول الثاني .
وأورده ابن هشام في « المغني ، في الجملة التي تقع مفعولا ثانيا من الباب الثاني » .
قال : وقد اجتمع وقوع خبري كان وإنّ ، والثاني من مفعولي باب ظنّ ، جملة في قول أبي ذؤيب . وأنشد البيت .
وأورده صاحب الكشاف عند قوله تعالى « 1 » :
« وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا »
على أنّ الاشتراء فيه مستعار للاستبدال ، كما في البيت .
وزعم بعض من كتب عليه أنّ أجهل ، فيه أفعل تفضيل ، فرواه بالنصب ، وقال : أي : إن تزعميني أنّي أجهل الناس فيكم لارتكاب بطالات الهوى ، فتحوّلي عن هذا الزعم ، فإني أخذت الحلم بعدك بالجهل . وهذا وإن كان معناه صحيحا إلّا أنه ليس برواية .
وقوله : « وقال صحابي قد غبنت » . . . إلخ ، قال المرزوقي : يقول : أنكر أصحابي منّي ما تمسّكت به من ارعواء وحلم ، حتى قالوا : إنّك مغبون فيما قايضت
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 41 ؛ وسورة المائدة : 5 / 44 .