وغير ذلك ، وفتح اللّه عليه أبواب العلوم ، ثم رغب بعد ذلك في علم الطبّ ، وعالج تأدّبا لا تكسّبا ، حتى فاق فيه الأوائل والأواخر في أقلّ مدة .
واختلف إليه فضلاء هذا الفنّ يقرءون عليه أنواعه ، وسنّه إذ ذاك ستّ عشرة سنة . وفي مدة اشتغاله لم ينم ليلة واحدة بكمالها ، ولا اشتغل في النهار بسوى المطالعة . وكان إذا أشكلت « 1 » عليه مسألة توضّأ ، وقصد المسجد الجامع وصلّى ، ودعا اللّه أن يسهّلها ، ويفتح له مغلقها .
وذكر عند الأمير نوح بن نصر السّاماني في مرض مرضه ، فأحضره وعالجه حتى برأ « 2 » واتّصل به ، وقرب منه ، ودخل إلى دار كتبه ، وكان فيها من كلّ فن ممّا لا يوجد في سواها ، ولا سمع باسمه . فظفر أبو علي بعلوم الأوائل .
واتّفق بعد ذلك احتراق تلك الخزانة ، فتفرّد أبو علي بما حصّله . ولم يستكمل ثماني عشرة سنة من عمره ، إلّا وقد فرغ من تحصيل العلوم بأسرها التي عاناها .
وتوفي أبوه وسنّ أبي عليّ اثنتان وعشرون سنة ، وكان هو وأبوه في الأعمال السلطانية .
ولمّا اضطربت أحوال السّامانية خرج أبو علي إلى كركانج « 3 » وهي قصبة خوارزم ، واختلف إلى خوارزمشاه « 4 » ، وكان أبو عليّ على زيّ الفقهاء ، ويلبس الطّيلسان ، فقرّر له في كلّ شهر ما يقوم به .
ثم انتقل إلى نسا ، وأبيورد ، وطوس وغيرها ، ثم إلى قزوين . وتولّى الوزارة لشمس الدولة . ثم تشوّش العسكر عليه ، فأغاروا على داره فنهبوها ، وقبضوا عليه ، وسألوا شمس الدولة قتله فامتنع ، ثم أطلق ، فتوارى .
ثم مرض شمس الدولة بالقولنج فأحضره لمداواته ، واعتذر إليه ، وأعاده وزيرا .
هامش
( 1 ) في طبعة بولاق : " أشكل " .
( 2 ) في طبعة بولاق : " برئ " .
وفي لسان العرب ( برأ ) : " برأ المريض يبرأ ويبرء برءا وبروءا . . . " .
( 3 ) في معجم البلدان ( كركانج ) : " كركانج : بالضم ثم السكون ، وكان أخرى ، وبعد الألف نون ساكنة . . . :
اسم لقصبة بلاد خوارزم ومدينتها العظمي ، وقد عربت ، فقيل : الجرجانية " .
( 4 ) خوارزم شاه : لقب لملوك خوارزم . وفي حاشية طبعة هارون 11 / 167 : " عند ابن خلكان : خوارزمشاه علي بن مأمون بن محمد " .