ثم مات شمس الدولة ، وتولّى تاج الدولة فلم يستوزره ، فتوجه إلى أصبهان وبها علاء الدين أبو جعفر بن كاكويه ، فأحسن إليه .
وكان أبو عليّ قويّ المزاج ، وتغلب عليه قوّة النّكاح حتّى أنهكته ، وعرض له قولنج فحقن نفسه في يوم واحد ثماني مرّات « 1 » فقرح بعض أمعائه ، وظهر له سحج « 2 » .
واتّفق سفره مع علاء الدولة فعرض له الصّرع عقيب القولنج ، فأمر بأخذ دانقين من كرفس في جملة ما يحقن به ، فجعل الطبيب الذي يعالجه فيه خمس دراهم ، فازداد السّحج به من حدّة الكرفس ، وطرح بعض غلمانه في بعض أدويته شيئا كثيرا من الأفيون ، وكان سببه أنّ غلمانه خانوه في شيء من ماله فخافوا عاقبة أمره عند برئه .
وكان يصلح أسبوعا ، ويمرض أسبوعا ، ولا يحتمي ويجامع ، حتى قصد علاء الدولة بهمذان ، فلما وصل إلى همذان « 3 » ضعف جدا ، وأشرفت قوته على السّقوط ، فأهمل المداواة ، وقال : المدبّر الذي في بدني قد عجز فلا تنفعني المعالجة .
ثم اغتسل وتاب ، وتصدّق بما معه على الفقراء ، وردّ المظالم على من عرفه ، وأعتق مماليكه ، وجعل يختم في كلّ ثلاثة أيام ختمة ، إلى أن مات في ذلك التاريخ .
وصنّف كتاب الشفاء في الحكمة ، والنّجاة ، والإشارات ، والقانون ، وغير ذلك مما يقارب « 4 » مائة مصنّف في فنون شتّى . وله رسائل بديعة . وهو أحد فلاسفة الإسلام ، وله شعر جيّد باللسانين ، ومنه قصيدته في النّفس ، ومطلعها « 5 » : ( الكامل )
* هبطت إليك من المحلّ الأرفع *
هامش
( 1 ) كذا في النسخة الشنقيطية . وفي طبعة بولاق وهارون ووفيات الأعيان : " ثمان مرات " وكلاهما صحيح .
( 2 ) في اللسان ( سحج ) : " والسحج : أن يصيب الشيء الشيء فيسحجه أي يقشر منه شيئا قليلا " .
( 3 ) في طبعة بولاق : " همدان " بالدال المهملة في هذا الموضع وسابقه . ولقد أثبتنا رواية النسخة الشنقيطية .
( 4 ) في طبعة بولاق : " ما يقاربه " .
( 5 ) صدر بيت لابن سينا ؛ وعجزه :* ورقاء ذات تعزز وتمنع *وقد أورد القصيدة ابن خلكان في ترجمته وابن أبي الإصبع في طبقاته .