وقال الأعلم : نصب تقرّ بإضمار أن ليعطف على اللّبس ، لأنه اسم وتقرّ فعل ، فلم يمكن عطفه عليه ، فحمل على إضمار أن لأنّ أن وما بعدها اسم ، فعطف اسما على اسم وجعل الخبر عنهما واحدا ، وهو أحبّ .
والمعنى : لبس عباءة مع قرّة العين ، وصفاء العيش أحبّ إليّ من لبس الشفوف مع سخنة العين ونكد العيش .
و « العباءة » : جبّة الصوف . والشّفوف : ثياب رقاق تصف البدن ، واحدها شفّ . انتهى .
فإن قلت : ما الفرق بين واو الجمع ، وواو العطف ، وهل هما إلا شيء واحد ؟
قلت : واو الجمع في الأصل للعطف ، لكنّه خصّ ببعض أحواله ، وذلك أنّ المعطوف قد يكون قبل المعطوف عليه في الوجود ، وقد يكون بعده ، وقد يكون معه ، نحو :
جاء زيد [ وعمرو « 1 » ] قبله أو بعده أو معه .
فخصّ واو الجمع بما يكون بمعنى مع ، فهو باعتبار أصل معنى العطف احتاج إلى تقدير مصدر منتزع من الأوّل . وباعتبار اختصاصه العارض بحال المعيّة ، صار كأنه قسيم للعطف المطلق الذي لا يتقيّد . فواو الجمع عطف مقيّد بالمعيّة ، وواو العطف غير مقيّد بها . فهذا هو الفرق .
وقال اللخمي في « شرح أبيات الجمل » : ولو رفعت وتقرّ لجاز ، على أن ينزّل الفعل منزلة المصدر ، ونحو قولهم « 2 » : « تسمع بالمعيديّ » ، فتسمع منزّل منزلة سماعك . وكقول جرير يعني الفرزدق « 3 » : ( المتقارب )
نفاك الأغرّ بن عبد العزيز * وحقّك تنفى من المسجد
هامش
( 1 ) زيادة يقتضيها السياق .
( 2 ) المثل في أمثال العرب ص 55 ؛ وتمثال الأمثال 1 / 395 ؛ وجمهرة الأمثال 1 / 266 ؛ وجمهرة اللغة ص 665 ؛ وزهر الأكم 3 / 176 ؛ والعقد الفريد 2 / 288 ، 3 / 93 ؛ والفاخر ص 65 ؛ وفصل المقال ص 135 ، 136 ؛ وكتاب الأمثال ص 97 ؛ ولسان العرب ( بين ، دنا ، معد ) ؛ ومجمع الأمثال 1 / 129 ؛ والوسيط في الأمثال ص 83 .
( 3 ) البيت لجرير من قصيدة يرد فيها على الفرزدق ؛ هو في ديوانه ص 842 ؛ والأغاني 21 / 324 ؛ والخصائص 2 / 434 .
وجرير يشير هنا إلى حادثة نفي عمر بن عبد العزيز الفرزدق عن المدينة إذ أجله ثلاثة أيام ليخرج من المدينة .