السببية ، وانتفاء الثاني لانتفاء الأول ، وهو أحد وجهي النّصب وهو قليل ، وعليه قوله :
ولقد تركت صبيّة مرحومة * لم تدر ما جزع عليك فتجزع
أي : لو عرفت الجزع ، لجزعت ، ولكنها لم تعرفه ، فلم تجزع . إلى آخر ما ذكر من نظائره من الآيات القرآنية .
وقد تكلّم ابن جني على هذا البيت في « إعراب الحماسة » « 1 » فلا بأس بإيراده ، قال : هذا البيت طريف غريب الحديث ، وذلك أنه ليس بجواب ، لأنّه مرفوع ، كما ترى ، ولو كان منصوبا جوابا ، لكان أوفق معنى ، وأسلب طريقا « 2 » ، ولا قبله أيضا فعل مرفوع فيعطف عليه ، كما عطف في قوله « 3 » : ( البسيط )
* فما تحلّ على قوم فترتحل *
فلهذا كان غريبا . غير أنّ وجهه عندي أن يكون قوله : فتجزع صفة لقوله :
« مرحومة » أو « صغيرة » ، ويكون معطوفا على جملة قوله : « لم تدر ما جزع عليك » ، لأنّ هذه الجملة صفة لقوله : صغيرة أو مرحومة ، فكأنّه قال : فلقد تركت صغيرة جاهلة بالجزع ، فجازعة مع ذلك .
فلما وقع « تجزع » موقع الاسم ، ارتفع ، فجرى مجرى قولك : مررت برجل من أهل العلم ويقرئ الناس . فتعطف « يقرئ » على من أهل العلم ، حتى كأنك قلت : عالم ومقرئ . وإن شئت جعلت الفاء زائدة في جميع ذلك فكان . فلا أمّ تبكيه ولا أخت تفقده « 4 » .
هامش
( 1 ) نقل إعراب الحماسة هذا لم يرد في النسخة الشنقيطية الخطية لوقوع بياض فيها . ولقد أثبتناه من شرح أبيات المغني للبغدادي 7 / 59 - 60 .
( 2 ) في النسخة الشنقيطية : " طريق " . وهو تصحيف صوابه من طبعة بولاق وشرح أبيات المغني للبغدادي .
( 3 ) عجز بيت لأبي تمام الطائي ؛ وصدره :* غريبة تؤنس الآداب وحشتها *وهو من قصيدة يمدح بها الخليفة المعتصم ، ويعتز بمدحته فيه ؛ وهو في ديوانه ص 229 . وقبله :لقد لبست أمير المؤمنين بها * حليا نظاماه بيت سار أو مثل( 4 ) إشارة إلى بيت سابق مر في الحماسة رقم / 898 / بشرح الإمام المرزوقي تعرض له ابن جني في إعراب الحماسة