مجرّدا من معنى « من » قياسا أصلا ، خلافا للمبرد القائل بأنه جائز قياسا ، فيجوز عنده أن تقول : زيد أفضل ، غير مقصود به التفضيل على شيء ، بل بمعنى فاضل .
وزعم أنّ معنى قولهم في الأذان وغيره : اللّه أكبر : اللّه الكبير ، لأنّ المفاضلة تقتضي المشاركة في المعنى الواقع فيه التفضيل ، والمفاضلة في الكبرياء هنا تقتضي المشاركة إن قدّر فيه ، من كلّ شيء .
ومشاركة المخلوق للخالق في ذلك أو في غيره من أوصاف الرّبّ محال ، بل كلّ كبير بالإضافة إلى كبريائه لا نسبة له ، بل هو كلا شيء .
وكذلك قال في قوله « 1 » :
« وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ »
تقديره معنى : وهو هيّن عليه ، لأنّ جميع المقدورات متساوية بالنسبة إلى قدرة اللّه ، فلا يصحّ في مقدور مفاضلة الهون فيه على مقدور آخر . ومنه قوله تعالى « 2 » :
« هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ »
إذ لا مشاركة لأحد بين علمه وعلم اللّه تعالى .
ومن ذلك قول الفرزدق :
إنّ الذي سمك السّماء بنى لنا * بيتا . . . . . . . . . . . البيت
أي : عزيزة وطويلة . فهذه مواضع لا يصحّ فيها معنى المفاضلة ، فثبت أنّها صفات مجرّدة عن ذلك ، مساوية لسائر الصفات . ومثل ذلك كثير .
فقاس المبرّد على ذلك ما في معناه . فالناظم نكّت عليه ، وارتضى مذهب سيبويه ، ومن وافقه ، وأنّ أفعل التفضيل لا يتجرّد من معنى « من » إذا كان مجرّدا أصلا . وما جاء ممّا ظاهره خلاف ذلك فهو راجع إلى تقدير معنى « من » ، أو إلى باب آخر .
فأمّا المفاضلة فيما يرجع إلى اللّه تعالى فهي بالنسبة إلى عادة المخلوقين في التخاطب ، وعلى حسب توهّمهم العادي .
فقوله : اللّه أكبر ، معنى ذلك أكبر من كلّ شيء يتوهّم له كبر ، أو على حسب ما اعتادوه في المفاضلة بين المخلوقين ، وإن كان كبرياء اللّه تعالى لا نسبة لها إلى كبر المخلوق .
هامش
( 1 ) سورة الروم : 30 / 27 .
( 2 ) سورة النجم : 53 / 32 .