يروح فتى صدق ويغدو عليهم * بملء جفان من سديف تدفّق
وبقي بعد هذا أكثر من ثلاثين بيتا « 1 » .
روى شارح ديوانه محمد بن حبيب ، وصاحب الأغاني « 2 » ، والرياشي وغيرهم :
أنّ الأعشى كان يوافي سوق عكاظ في كلّ سنة ، وكان المحلّق الممدوح واسمه عبد العزّى بن حنتم بن شدّاد ، من بني عامر بن صعصعة ، مئناثا مملقا ، فقالت له امرأته « 3 » : يا أبا كلاب ، ما يمنعك من التعرّض لهذا الشاعر فما رأيت أحدا مدحه إلّا رفعه ، ولا هجا أحدا إلّا وضعه ، وهو رجل مفوّه مجدود الشعر ، وأنت رجل كما علمت خامل الذكر ، ذو بنات ، فإن سبقت الناس إليه فدعوته إلى الضيافة رجوت لك حسن العاقبة .
قال : ويحك ما عندنا إلّا ناقة نعيش بها . قالت : إنّ اللّه يخلفها عليك . قال :
لا بدّ له من شراب . قالت : إنّ عندي ذخيرة لي ، ولعلّي أجمعها ، فتلقّه قبل أن تسبق إليه .
ففعل وخرج إلى الأعشى . فوجد ابنه يقود ناقته ، فأخذ زمامها منه ، فقال الأعشى : من هذا الذي غلبنا على خطام ناقتنا ؟ قيل : المحلّق . قال : شريف كريم .
وقال لابنه : خلّه يقتادها . فاقتادها إلى منزله ، فنحر له ناقته ، وكشف له عن سنامها وكبدها « 4 » ، ووجد امرأته قد خبزت خبزا ، وأخرجت نحي سمن ، وجاءت بوطب لبن ، فلما أكل الأعشى وأصحابه ، وكان في عصابة قيسيّة ، قدّم إليه الشراب ، واشتوى له من كبد الناقة ، وأطعمه من أطايبها ، فلما أخذه الشراب سأله عن حاله وعياله ، فعرف البؤس في كلامه ، وأحاطت به بناته يغمزنه ويمسحنه ، فقال : ما هذه الجواري حولي ؟ قال : بنات أخيك ، وهنّ ثمان « 5 » .
هامش
( 1 ) في حاشية طبعة هارون 7 / 145 : " يعني بعد ما ذكره في الخزانة من قبل وبعد ما ذكره هنا والقصيدة عدة أبياتها اثنان وستون بيتا " .
( 2 ) الأغاني 9 / 115 .
( 3 ) في الأغاني : " فأقبلت عمة المحلق فقالت : يا ابن أخي . . . " .
( 4 ) في الأغاني : " وكشط له عن سنامها وكبدها " .
( 5 ) في طبعة بولاق : " وهي ثمان " . وما أثبتناها من النسخة الشنقيطية مع أثر تصحيح والأغاني . وبعدها في الأغاني : " . . . ثمان شريدتهن قليلة " .