يقول ناس يقول الناس . وأنشد محمد بن يزيد : ( الوافر )
وناس من سراة بني سليم * وناس من بني سعد بن بكر
ومما يغلّب أنّ هذه الهمزة لا يلزم أن يكون منها عوض ، أنّ من يردّ الأصول المحذوفة في التحقير ومن لا يردّ ، اتفقوا عندنا جميعا على أن حقّروا أناسا : نويسا .
فدلّ ترك رد الأصل في التحقير ممن يردّ ، على أنّ هذا الحذف « 1 » قد صار عندهم كالحذف اللازم في أكثر الأمر ، نحو : حاش لله ، ونحو لا أدر . وما كان من الحذف عندهم هكذا ، يبعد أن يعوّض منه ، وقد كان أولى من التعويض ردّ ما هو منه إليه ، فلما لم يقولوا أنّيس عند سيبويه ، في تحقير ناس ، ولا عند يونس وأبي عثمان ، كان أن لا يعوّض منه أولى .
ومما يبين حسن الحذف منه وسهولته : أنه جمع ، والجموع قد تخفّف بما لا يخفّف الآحاد به ، ألا ترى أنّهم قالوا : عصيّ ودليّ ، فأجمعوا على القلب في هذا النحو ! وكذلك نحو بيض ، فكما خفّفوا هذا النحو من الجمع ، كذلك قولهم أناس - بالحذف - منه . . ويدلّك على أنه جمع : أنّهم قالوا في الإضافة إلى أناس : إنسانيّ ، كما قالوا في الإضافة إلى الجميع « 2 » : جمعيّ . فعلمت أنّ أناسا في جمع إنسان ، كتؤام في جمع توأم ، وبراء في جمع بريء ، ورخال وظؤار وثناء ، ونحو ذلك . فكما أجروه مجرى الجمع في هذا ، كذلك أجروه مجراه في الحذف منه ؛ كما خفّفوا ما ذكرنا بالقلب فيه .
ومما يغلّب أن قولنا الناس على الحذاء الذي ذكرنا من التخفيف بالحذف ، أنّ ما في التنزيل من هذا النحو عليه ، نحو « 3 » :
« الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ »
ونحو « 4 » :
« أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ . مَلِكِ النَّاسِ »
فهذا إنّما أدغم لام المعنى في النون على حدّ ما أدغم في : النشر ، والنشز ، والنعمان ؛ لا على حدّ تقدير الهمزة فيه وتخفيفها .
ألا ترى أنّه لو كان على تقدير أناس لم يدغم ! لأن الحرفين ليسا مثلين كما كانا
هامش
( 1 ) في طبعة بولاق : " الحرف " . بالراء . وهو تصحيف صوابه من الطبعة السلفية نقلا عن النسخة الشنقيطية .
( 2 ) كذا في طبعة بولاق . وفي النسخة الشنقيطية : " إلى الجمع " . وهو تصحيف ؛ ولربما كان " إلى الجموع " .
( 3 ) سورة آل عمران : 3 / 173 .
( 4 ) سورة الناس : 114 / 2 .