ألفاظ محكمة الترتيب دالّة على معنى مصيب تلتزم العقول موجب أحكامها ، ويرتدع الجهول لحكمة لجامها ، ويعقّب ذلك بحديث شريف : « إنّ من البيان لسحرا ، وإنّ من الشّعر لحكمة » ، وقد ورد هذا الأثر لدى ابن رشيق « 1 » .
ويقسم الضّرب الثاني المقدور إلى مطبوع ومصنوع ، فيتداعى إلى أذهاننا باب برمّته لابن رشيق : « في المطبوع والمصنوع » « 2 » تأثر به أبو بكر بفقرات في صدر هذا الباب إذ يقول « 3 » : « أمّا المطبوع ، فهو الأصل الموضوع الذي عليه المدار ، وبه الاقتدار ؛ لأنّ العرب لم تكن تنظر في أعطاف كلامها ، ولا تلتزم البديع في نثرها ونظامها ، بل كانت تعتمد على بلاغتها وفصاحتها » .
ويتحول إلى المصنوع وأعلامه من المحدثين كأبي تمام والبحتري قائلا « 4 » : « فإنّهم لما آثروا المصنوع جاذبوه فهرب ، وغالبوه فاستصعب ، فأكرهوه حتى ذلّ ، وأكثروا منه فملّ » . وهذا قريب من معنى عبارات ابن رشيق نفسها التي يقول فيها : « 5 » « واستطرفوا ما جاء من الصنعة نحو البيت . . . أمّا إذا كثر ذلك فهو عيب يشهد بخلاف الطبع وإيثار الكلفة ، وليس يتجه البتة أن تأتي من الشعر قصيدة كلها أو أكثرها مصنع من غير قصد كالذي يأتي من شعر حبيب والبحتري ، وقد كانا يطلبان الصنعة ، ويولعان بها ، فأما حبيب فيذهب إلى حزونة اللفظ ، وما يملأ الأسماع منه مع التصنيع المحكم طوعا وكرها ، ويأتي الأشياء من بعد ، ويطلبها بكلفة ، ويأخذها بقوة » .
ويسطر أبو بكر فقرة هي « 6 » : « وقد كانت عناية العرب بفصاحة الكلام ، وإتقان مبانيه ، واتساق نظمه ، وإحكام قوافيه ، فإذا اتفق تحسين الطّبع المعاني وتحسين
هامش
( 1 ) السابق 1 / 69 .
( 2 ) السابق 1 / 258 .
( 3 ) جواهر الآداب ص 296 .
( 4 ) السابق ص 296 .
( 5 ) العمدة 1 / 261 .
( 6 ) جواهر الآداب ص 297 .