كتلك « 1 » التي أبدت ثرى البحر يابسا * وشقّت عيونا في الحجارة سفّحا
سأمدح بعض الباخلين ، لعلّه * إذا اطّرد المقياس أن يتسمّحا « 2 »
فهذا هو السّحر الحلال ، والعذب الزّلال . على أنّ البحتريّ قد سبقه إلى بعض هذا المعنى في قوله للفتح بن خاقان :
غمام ، خطاني صوبه ، وهو مسبل * وبحر ، عداني فيضه ، وهو مفعم « 3 »
وبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا * وموضع رحلي منه أسود مظلم « 4 »
وما بخل الفتح بن خاقان بالنّدى * ولكنّها الأقدار تعطي وتحرم « 5 »
[ عتاب أبي الطيب الشديد ]
وأمّا أبو الطّيّب ، فكانت في طبعه غلظة ، وفي عتابه شدّة ، وكان كثير التّحامل ، ظاهر الكبر والأنفة . وما ظنّك بمن يقول لسيف الدّولة :
يا أعدل النّاس إلّا في معاملتي * فيك الخصام ، وأنت الخصم والحكم « 6 »
أعيذها نظرات منك صادقة * أن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدّنيا بناظره * إذا استوت عنده الأنوار والظّلم « 7 »
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي * وأسمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها * ويسهر القوم جرّاها ، ويختصم « 8 »
وجاهل مدّه في جهله ضحكي * حتّى أتته يد فرّاسة وفم « 9 »
/ ( 109 )
هامش
( 1 ) بالمخطوط : « وتلك . . . » .
( 2 ) رواية الديوان : « . . . إن اطّرد . . . » .
( 3 ) الشعر في ( ديوان البحتري 3 / 1980 ) من قصيدة يعاتب بها عليّ بن يحيى المنجّم ، ويستبطئ الفتح ابن خاقان . ورواية البيت في ( الديوان ) : « سحاب خطاني جوده . . . » . وغمام خطاني : تجاوزني . وصوب الغمام :
مطره . ومسبل : هاطل غزير . وعداني : تجاوزني وانصرف عنّي . ومفعم : مملوء .
( 4 ) رواية ( السابق ) : « . . . وموضع رجلي . . . » .
( 5 ) رواية ( السابق ) : « وما منع الفتح بن خاقان نيله / ولكنّها . . . » .
( 6 ) القصيدة في ( ديوان المتنبي 4 / 107 ) .
( 7 ) الناظر : العين .
( 8 ) رواية ( الديوان ) : « ويسهر الخلق » . وجرّاها : من أجلها .
( 9 ) يد فرّاسة : تدقّ عنقه ، يقال : فرس الأسد الفريسة ، إذا دقّ عنقها . ومدّه : أمهله .