وقد كان فوت الموت سهلا ، فردّه * إليه الحفاظ المرّ والخلق الوعر « 1 »
ونفس ، تخاف العار حتّى كأنّما * هو الكفر يوم الرّوع أو دونه الكفر « 2 »
فأثبت في مستنقع الموت رجله ، * وقال لها : من تحت أخمصك الحشر « 3 »
وقال يرثي محمد بن إدريس الشّامي « 4 » :
ولم أنس سعي الجود خلف سريره * بأكسف بال ، يستقلّ ، ويظلع « 5 »
وتكبيره خمسا عليه معالنا * وإن كان تكبير المصلّين أربع « 6 »
وما كنت أدري - يعلم اللّه - قبلها * بأنّ النّدى في أهله يتشيّع
وقال يرثي ابن حميد :
أصمّ بك النّاعي ، وإن كان أسمعا * وأصبح معنى الجود بعدك بلقعا « 7 »
ولم يبدأ رثاء بأحسن منه ، ثم ختمها بقوله :
فإن ترم عن عمر ، تدانى به المدى * فخانك حتّى لم يجد عنك منزعا « 8 »
فما كنت إلّا السّيف لاقى ضريبة * فقطّعها ، ثمّ انثنى ، فتقطّعا !
وهو من المعدودين في إجادة الرّثاء .
[ ديك الجن ممن أجادوا الرثاء ]
وكذلك ديك الجنّ له فيه طريقة انفرد بها ، كان قد قتل جاريته ؛ لأنّه اتّهم بها أخاها ، ثم قال ، يرثيها :
هامش
( 1 ) الحفاظ : الدفاع عن المحارم والمنع لها . والخلق الوعر : الصّعب العسير على أعدائه .
( 2 ) رواية ( الديوان ) : « ونفس تعاف العار حتى كأنّه » .
( 3 ) الأخمص : ما لم يصب الأرض من باطن القدم .
( 4 ) القصيدة في ( ديوان أبي تمام 4 / 92 - 95 ) . في رثاء إدريس بن بدر الشامي القرشي .
( 5 ) رواية ( الديوان ) : « . . . يستقيم ويظلع » . ويفهم من بعض أبيات القصيدة أن المرثي كان من وجهاء الشّيعة . والبال الكاسف : الحزين . واستقل الجود : ذهب وارتحل ( القاموس : قلّ ) . ويظلع : يميل في مشيه ويعرج .
( 6 ) قال في شرح ( الديوان 4 / 95 ) : « ذكر أن الجود كبّر عليه خمسا ، لأن الميت كان شيعيا ، فأراد أن الجود اتّبع مذهبه » . ويقول التبريزي في تعليقه على هذا البيت : « جعل « أربعا » اسم كان ، وهو نكرة ، و « تكبير المصلين » خبرا ، وهو معرفة . وقد جاء ذلك عن الفصحاء » .
( 7 ) بالمخطوط : « أمّ بك . . . » والمطلع في ( ديوان أبي تمام 4 / 99 ) القصيدة يرثي بها أبا نصر محمد بن حميد .
والبلقع من الأرض : القفر .
( 8 ) رواية البيت في ( ديوان أبي تمام 4 / 100 ) : « حتّى لم يجد فيك » .