الباب الثالث والعشرون في التّفسير
[ معنى التفسير وشواهده ]
وهو استيفاء شرح ما ابتدأته مجملا ، فمن أحسنه قول أبي الطّيّب :
فتى كالسّحاب الجون ، يرجى ويتّقى * يرجّى الحيا منه ، وتخشى الصّواعق « 1 »
وهو عزيز جدا ، فينبغي لمن حاوله أن يتحرر فيه من التضمين ؛ فإنّه أكثر ما يأتي في بيتين فصاعدا ، قال حاتم « 2 » :
متى ما يجيء يوما « 3 » إلى المال وارثي * يجد جمع كفّ غير ملأى ولا صفر
يجد فرسا مثل العنان وصارما * حساما ، إذا ما هزّ لم يرض بالهبر « 4 »
وأسمر خطّيا ، كأنّ كعوبه * نوى القسب ، قد أرمى ذراعا على العشر « 5 »
هامش
( 1 ) البيت في ( ديوان المتنبي 2 / 346 ) برواية : « يخشى ويرتجى » . والجون : نعت للسحاب على الإفراد ، وهو هنا الأبيض . والحيا : المطر ؛ لأنه يحيي الأرض .
( 2 ) المقصود حاتم بن عبد اللّه الطائي ؛ الشاعر الجاهلي المعروف ، والرجل الذي يضرب به المثل في الكرم ( الشعر والشعراء 1 / 241 ، وديوانه ص 5 ) .
( 3 ) بالمخطوط : « قوم » خطأ . والقطعة في ( ديوان حاتم الطائي ص 46 ) ، ورواية البيت الأول :« متى يأت ، يوما وارثي يبتغي الغنى * يجد جمع كفّ غير ملء ، ولا صفر »ونسب الأبيات في ( العمدة 1 / 622 ) لحاتم ولعتيبة بن مرداس . وجمع كفّ ؛ أي مقدار ما يشتمل عليه الكفّ من مال وغيره . يقول : متى جاء وارثي بعد موتي يجد قدرا من المال لا هو بالكثير ولا القليل .
( 4 ) مثل العنان ؛ أي : يجد فرسا كالعنان في إدماجه وضمره ، وسيفا قاطعا إذا حرّك في الضرب لم يرض بالقطع ، ولكنه يتجاوزه ، ويخرج إلى ما وراءه من بري العظم . والعنان : سير اللجام . والهبر : قطع اللحم .
( 5 ) الأسمر : الرّمح . والخطّي : المنسوب إلى الخط ، وهو مرفأ للسفن في البحرين تباع فيه الرماح . وكعوبه : عقده .
والقسب : ضرب من التمر غليظ النّوى . شبه كعوب الرمح بنوى هذا التمر في صلابتها . وقوله : أرمى ذراعا على العشر ؛ أي : أنه لا طويل ، ولا قصير ، فلا يكون مضطربا ولا قاصرا ( عن الديوان ) .