الباب الرابع من ج 1 في اختلاف أغراض الشعراء ومذاهبهم بحسب اختلاف طبقاتهم وغرائزهم
فمنهم من يؤثر جزالة اللفظ من غير تصنيع على مذهب العرب كقول بشار « 1 » :
إذا ما غضبنا غضبة مضريّة * هتكنا حجاب الشّمس أو مطرت دما « 2 »
إذا ما أعرنا سيّدا من قبيلة * ذرا منبر صلّى علينا وسلّما « 3 »
وهذا النوع دالّ على القوة ، وأشبه مواضعه الافتخار ، ومدح الملوك . ومنهم من يؤثر التهويل والقعقعة بلا طائل معنى كقول أبي القاسم ابن هانىء في أوّل مذهبته « 4 » :
هامش
( 1 ) هو أبو معاذ بشار بن برد بن يرجوخ ، أحد الشعراء المطبوعين من مخضرمي الدولتين ، قتل سنة 168 ه ( الشعر والشعراء 2 / 757 ، والأعلام 2 / 24 ) . وجزالة اللفظ : متانته وقوته .
( 2 ) البيت في ( ديوان بشار 4 / 163 ) برواية : « أو تمطر الدّما » وقصد الفخر بمضر ؛ لأنه مولى عقيل ، وهم من المضريّة ( جمهرة أنساب العرب 290 ) .
( 3 ) يريد أن مضر قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإذا خطب الخطيب في الإسلام ، وصلى على الرسول ، وعلى آله كانوا من جملتهم ؛ لأنهم تجمعهم بالنبي قرابة الجد الأعلى ، وهو مضر ، وهذا مبالغة منه ؛ لأن آل النبي المعنين بالصلاة عليهم معه ، هم أزواجه وذريته . قالوا : يا رسول الله ، كيف نصلي عليك ؟ قال : قولوا : « اللهم صلّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم . « الحديث والذرا : جمع ذروة ، وهي أعلى الشيء ، والإعارة : أراد بها ولاية الإمارة ، وجعلها إعارة ؛ لأن الولاة والأمراء نواب الخليفة ، والخليفة شرطه أن يكون قرشيا ، وقريش من مضر وأسند .
الإعارة لضمير قومه ، افتخارا بمفاخر قريش الذين هم من شعب مضر .
( 4 ) أبو القاسم محمد بن هانىء الأندلسي : شاعر شيعي من إشبيلية بالأندلس ، اتصل بالمعز العبيدي ، ومدحه .
قتل ببرقة نحو 362 ه 973 م ( إرشاد الأريب 19 / 92 - 105 ، والأعلام 7 / 354 ) . والمذهبة : القصيدة المكتوبة بماء الذهب ، وذلك لنفاستها ، والفعل أذهب .