استثنى منهم المؤمنين « 1 » فأمّا قوله تعالى « 2 »
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ، وَما يَنْبَغِي لَهُ
؛ فإنّما نزّه نبيه عنه لما ذكرناه من جواز الكذب فيه ، وذلك ممّا يقدح « 3 » فيه صدق الرسول ، وينافيه ، وقد أنشد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الشّعر ، وأثاب عليه .
كان كعب بن زهير « 4 » ، قد هجاه ، ثم ندم ، فأتاه تائبا مستأمنا ، فأنشده قوله :
بانت سعاد ، فقلبي اليوم متبول « 5 » ( القصيدة )
فأمّنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ووهبه بردته ، فاشتراها منه معاوية - رضي الله عنه - بثلاثين ألف درهم ، وقيل بعشرين ألفا ، وهي التي يتوارثها الخلفاء ، ويلبسونها في المواسم تبرّكا بها . وقيل إنه وهبه معها « 6 » هنيدة ، وهي مئة من الإبل .
وكان عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى ، قد توقّف عن إعطاء الشعراء ، فقال الأحوص « 7 » ، يذكر عطية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لكعب بن زهير :
وقبلك ما أعطى هنيدة جلّة * على الشعر كعبا من سديس وبازل « 8 »
هامش
( 1 ) بالمخطوط : استثنى منهم المؤمنين ، وجاء في الآية 227 :إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ . . ..
( 2 ) سورة يس ، من الآية 69 .
( 3 ) يقدح في صدقه : يطعن فيه ( مختار الصحاح : قدح ) .
( 4 ) هو كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني ، من فحول الشعراء المخضرمين ، أرسل إلى أخيه بجير ينهاه عن الإسلام ، فتوعده النبي صلى الله عليه وسلم . ت نحو 26 ه ( الشعر والشعراء 1 / 154 - 156 ، والأعلام 6 / 81 ) .
( 5 ) في المخطوط : بانت سعاد - بدون دال - والشطر في ديوانه ص 6 ، وتمامه : « متيّم إثرها لم يجز مكبول » .
وبانت : فارقت وبعدت . وسعاد : امرأته . وتبله الحبّ : ذهب بعقله ، وأصابه بسقم .
( 6 ) بالمخطوط : « وهبها معه » .
( 7 ) لقّب بالأحوص لضيق في مؤخّر عينيه ، وهو عبد اللّه بن محمد الأنصاري ، من بني ضبيعة : شاعر إسلامي هجّاء ، مات بدمشق نحو 105 ه ( طبقات الشعراء لابن سلام 2 / 655 ، والشعر والشعراء 1 / 518 ، والأعلام 4 / 257 ) .
( 8 ) رواية البيت في ديوانه 180 : « فقبلك ما أعطى الهنيدة » . والجلّة : كبار الإبل المسنة . والسديس : النّاقة في السنة الثامنة . والبازل : فوق السديس ( عن الديوان ) .