[ الجزء الأول ]
الباب الأول منه : في فضيلة الشعر ومنافعه
إعلم أن جيّد الشعر ، وإن كان أقلّ من جيّد النثر ، فهو أشهر وأسير ، والمحفوظ منه أكثر ، وسبب ذلك أنّ الأوزان والقوافي حسّنته ، وحبّبته إلى النفوس وزيّنته فتشوّقت ، إلى درسه ونشيده ، وتولّعت بتكريره وترديده ، فسهل بذلك حفظه ، وهان تقييده وضبطه ، ولذلك احتمل فيه ما لا يحتمل في غيره ، من مخاطبة الملك بالكاف ، ودعائه باسمه ، ونسبته إلى أمّه ، ويحسن فيه من الكذب ما لا يحسن في غيره ، وليس ذلك إلّا لإيثار الشعر والرّغبة فيه ، فأمّا قول النبي عليه السلام : « لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتّى يريه خير « 1 » له من أن يمتلئ شعرا » .
فقيل : معناه أن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه منه ، حتّى لا يبقى فيه فضل لغيره ؛ لأنّه متى كان كذلك ، شغل عن الواجبات ، وألهى عن المهمات . وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : « ذلك من الشعر الذي هجي به النبي عليه الصلاة والسلام » ، ويؤيد ذلك قوله تعالى : « 2 »
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ
؛ لأنّه
هامش
( 1 ) بالمخطوط : خيرا . وأثبتها بالرفع على أنّها خبر للمبتدأ المصدر المؤول في أول الحديث الشريف ، وهو في ( صحيح البخاري ، كتاب الأدب 92 ، ومسلم ، كتاب الشعر 7 - 9 ، وسنن أبي داود ، كتاب الأدب ، 87 وابن ماجة ، كتاب الأدب ج 4 ، وسنن الترمذي ، كتاب الأدب 71 ) . ( مفتاح كنوز السنة 3 / 140 ) .
والحديث حسن صحيح . وورى القيح جوفه يريه وريا : أفسده ، وأكله . والوري : القيح في الجوف ، أو القرح يقع في قصب الرّئتين ( القاموس المحيط : ورى ) .
( 2 ) سورة الشعراء ، الآية 224 .