اسم ابن رشيق في طيّ النسيان معرّيا الفضل عن أهله ؟
ولا ندري كيف ضاقت المصادر عليه ، فألح هذا الإلحاح في الاعتماد والنقل عن العمدة ، ولم يغن كتابه بالجديد المشرقي والأندلسي النادر ؟ هلّا فعل ذلك ، وهذا ابن رشيق ينقّب في ابن المعتز وقدامة وابن سلّام وابن قتيبة وسيبويه ، والأصمعيّ والحاتميّ والجرجانيّ والآمدي وابن وكيع والسّمين وابن عبد ربّه والنّحاس وأبي عبيدة والجاحظ والرّمّانيّ والنهشليّ وأبي عبد اللّه القزّاز والثعالبي وعشرات غيرهم من الشعراء والناثرين ينفض آثارهم بحثا عن الشاهد والجديد يخصب به رأيه .
وقد تكون بعد وفاة ابن رشيق بقرابة مئة سنة حدثت تطورات في فنون البلاغة والنقد ومصطلحاتهما التي ينقلها أبو بكر ، فلا يتطرق في جل أبوابه لمثل هذه المستجدات .
ولا نعثر في الجواهر على تلك اللمسات النقدية العبقرية الواثقة من مثل النقد العنيف الهازىء الذي كان يكيله ابن رشيق للمشارقة خاصة حين عقّب على بيت المتنبي يصف قلعة :
تصدّ الرّياح الهوج عنها مخافة * وتفزع منها الطّير أن تلقط الحبّا « 1 »
بقوله « 2 » : « فكم بين خوف الرّياح الهوج وصدودها ، وفزع الطير أن تلقط الحبّ ؟ لا سيما وأفزع الطير بهائمه التي تلقط الحب ؛ لضعفها وعدمها من السلاح ، وأقل خيال أو تمثال يحمي مزدرعات جمّة ، وقد رجّح صاحب الوساطة هذا البيت على قول أبي تمام :
فقد بثّ عبد اللّه خوف انتقامه * على اللّيل حتى ما تدبّ عقاربه « 3 »
فاعتبروا يا أولي الأبصار ! .
هامش
( 1 ) ديوان المتنبي 1 / 74 .
( 2 ) العمدة 1 / 666 .
( 3 ) ديوان أبي تمام 1 / 229 والممدوح في القصيدة والبيت عبد اللّه بن طاهر ، والبيت في الوساطة ص 238 ، ولم يعلق الجرجاني بشيء على هذين البيتين للمتنبي وأبي تمام .