إنّنا نفتقر في الجواهر إلى مثل هذا النفس النقدي القوي ، إذ يسوق أبو بكر أثناء تلخيصه بيت المتنبي نفسه قائلا « 1 » : « إنّه معيب ؛ لأنّ إخراجه مخرج الحقيقة مع بعده منها ، ومثله قول أبي تمام . . . » .
وإن كان ما أشار له ابن رشيق غير موجود في الوساطة ، ولكن في إيراده هذه التعليقات معاني هامة جدا .
ونلاحظ أن الشنتريني كان يتجنب تعليقات نقدية عالية جدا لابن رشيق ، ولا يتعرّض لتلخيصها أو الإشارة إليها ، فلعله رأى نفسه في موقف صعب إن لخّصها أو انتسخها بلحمها ودمها دون أن يشير إلى مولاها وأبي جدّتها على عادته ، وها هو ذا يقول في الباب الرابع / ج 2 : « في الرثاء » « 2 » : « وقد عيب قول أبي الطيب في أمّ سيف الدولة :
سلام اللّه خالقنا حنوط * على الوجه المكفّن بالجمال « 3 »
فقيل : ما له ولهذه العجوز ، يصف جمالها ؟ وقال الصاحب « 4 » : هذه استعارة حداد في عرس » .
ولكن اللّافت للنظر هاهنا أن أبا بكر لم ينتصر للمتنبي هذه المرة كما عوّدنا ، ولم يعلق بشيء على قول الصاحب كابن رشيق الذي قال « 5 » : « فإن كان أراد الصاحب بالاستعارة الحنوط فقد - واللّه - ظلم وتعسّف ، وإن كان أراد استعارة الكفن لجمال العجوز فقد اعترض في موضع اعتراض إلى مواضع كثيرة في هذه القصيدة ؛ على أن فيها ما يمحو كلّ زلّة ، ويعفّي على كلّ إساءة » .
هامش
( 1 ) جواهر الآداب ص 505 .
( 2 ) جواهر الآداب ص 582 .
( 3 ) ديوان المتنبي 3 / 175 . والحنوط : كل طيب يوضع على جثة الميت لمنعها من الفساد .
( 4 ) القول في رسالة : ( الكشف عن مساوئ شعر المتنبي ص 13 ) .
( 5 ) العمدة 2 / 819 .