عليه في كلّ تلك الأخبار التي اقتضب عبارات ابن رشيق بلحمها ودمها ، ويستثمر شواهده وتعاليقه مما يجعل أثر هذا الأخير مبثوثا باديا عميقا لديه ، ولم يغادره إلى غيره - سوى سطر واحد - ، ولم يضف عملا يذكر سوى اختصاره الملحوظ وتشذيبه للنص .
وهو - وإن صرّح بأنّه سيشرح ما فيه عوص وإشكال - إلّا أنّ هذا لا نجده في الكتاب إلّا قليلا إذ شرح قطعة من عينية الهذلي « 1 » ، وبيتا لأبي تمام ، هو :
بحوافر صلب ، وصلب صلّب * وأشاعر شعر ، وخلق أخلق « 2 »
وحينما يتصدى أبو بكر « 3 » لمناقشة بعض أفكار ابن رشيق يلوذ بعد عرض أفكاره بتأييدها بآيات من الذكر الحكيم ، وشعر العرب كالنابغة الذّبياني ، يشدّ بذلك رأيه الذي يذهب إليه .
وفي الوقت الذي نلمح فيه ابن رشيق يوجّه نقدا أخلاقيا وسياسيا حول شعر أبي نواس « 4 » :
أعر شعرك الأطلال والمنزل القفرا * فقد طال ما أزرى به نعتك الخمرا « 5 »
دعاني إلى وصف الطّلول مسلّط * تضيق ذراعي أن أردّ له أمرا
فسمعا أمير المؤمنين ، وطاعة * وإن كنت قد جشّمتني مركبا وعرا
إذ يقول : « ولما سجنه الخليفة على اشتهاره بالخمر ، وأخذ عليه ألّا يذكرها في شعره ، قال . . . ( الشعر ) فجاهر بأن وصفه الأطلال والقفر إنّما هو من خشية الإمام ، وإلا فهو عنده فراغ وجهل . كان شعوبي اللسان ، فما أدري ما وراء ذلك وإنّ في
هامش
( 1 ) السابق ص 342 .
( 2 ) السابق ص 434 ، والبيت في ( ديوان أبي تمام 2 / 410 ) .
( 3 ) السابق ص 369 .
( 4 ) العمدة 1 / 406 - 407 .
( 5 ) الأبيات في ( ديوان أبي نواس ص 21 ) . والخليفة هنا الأمين محمد بن هارون الرشيد .