تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
وقد صبّ عليه وقار الصبر ، وهبّت له روائح النّصر ، يصرّفه ملك يملأ العيون جمالا والقلوب جلالا ، لا تخلف مخيلته « 1 » ، ولا تنقض مريرته ، ولا يخطئ بسهم الرأي غرض الصواب ، ولا يقطع بمطايا اللّهو سفر الشّباب ، قابضا بيد السياسة على قطار « 2 » ملك لا ينتشر حبله ، ولا تتشظّى عصاه ، ولا تطفأ جمرته ، في سنّ شباب لم يجن مأثما ، وشيب لم يراهق « 3 » هرما ، قد فرش مهاد عدله ، وخفض جناح رحمته ، راجما بالعواقب الظنون ، لا يطيش ، عن قلب فاضل الحزم ، بعيد العزم ، ساعيا على الحق يعمل به ، عارفا باللّه يقصد إليه ، مقرا للحلم ويبذله ، قادرا على العقاب ويعدل فيه ، إذ الناس في دهر غافل ، قد اطمأنت بهم سيرة « 4 » ليّنة الحواشى ، خشنة المرام ، تطير بها أجنحة السرور ، ويهبّ فيها نسيم الحبور « 5 » ، فالأطراف على مسرّة والنظرة إلى مبرّة ، قبل أن تخبّ « 6 » مطايا الغير ، وتسفر وجوه الحذر ، وما زال الدهر مليئا بالنوائب ، طارقا بالعجائب ، يؤمن يومه ، ويغدر غده . على أنها - وإن جفيت - معشوقة السّكنى ، حبيبة المثوى « 7 » ، كوكبها يقظان ، وجوّها عريان « 8 » ، وحصباؤها جوهر ، ونسيمها معطّر ، وترابها مسئك أذفر « 9 » ، ويومها غداة ، وليلها سحر ، وطعامها هنىء ، وشرابها مرىء ، وتاجرها مالك ، وفقيرها فإنك « 10 » ، لا كبغدادكم الوسخة السماء ، الومدة « 11 » الهواء ، جوها
هامش
( 1 ) المخيلة : الظن ، والمريرة : العزيمة . ( 2 ) القطار في الأصل : أن تقطر الإبل بعضها إلى بعض على نسق واحد ، وتشظى العود : تطاير شظايا جمع شظية كغنية : وهي الفلقة ( بالكسر ) من العصا ونحوها . ( 3 ) أي ولم يقارب الهرم والشيخوخة ، يقال : دخل مكة مراهقا : أي مقاربا لآخر الوقت حتى كاد يفوته التعريف ، وراهق الغلام : قارب الحلم . ( 4 ) السيرة بالكسر : اسم من السير أي الذهاب . ( 5 ) الحبور : السرور . ( 6 ) الخبب بالتحريك : ضرب من العدو وبابه رد ، وسفرت المرأة كضرب : كشفت عن وجهها . ( 7 ) المثوى : المنزل . ( 8 ) أي صحو خلو من الغيوم . ( 9 ) مسك أذفر وذفر كفرح : جيد إلى الغاية ، من الذفر بالتحريك : وهو شدة ذكاء الريح ، والغداة : البكرة ، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس . ( 10 ) فنك بالمكان كنصر : أقام به ، أي أنه ، لا يرحل عنها إلى سواها ، إذ يجدبها ما يسد عوزه . ( 11 ) الومد بالتحريك : أن نسكن الريح مع شدة الحر .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 349 | أحمد زكي صفوت