تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨

271 - كتاب ابن المعتز إلى بعض إخوانه يصف سرّ من رأى

وكتب عبد اللّه بن المعتز إلى بعض إخوانه يصف سرّ من رأى ، ويذكر خرابها ، ويذمّ بغداد وأهلها ، ويفضّل سامرّا « 1 » : « كتبت إليك من بلدة قد أنهض « 2 » الدهر سكانها ، وأقعد جدرانها ، فشاهد اليأس فيها ينطق ، وحبل الرجاء فيها يقصر ، فكأنّ عمرانها يطوى ، وكأنّ خرابها ينشر ، وقد وكّلت إلى الهجر نواحيها ، واستحثّ باقيها إلى فانيها ، وقد تمزّقت بأهلها الديار ، فما يجب فيها حقّ جوار ، فالظاعن « 3 » منها ممحوّ الأثر ، والمقيم بها على طرف سفر ، نهاره إرجاف « 4 » ، وسروره أحلام ، ليس له زاد فيرحل ، ولا مرعى فيرتع ، فحالها تصف للعيون الشكوى ، وتشير إلى ذم الدنيا ، بعد ما كانت بالمرأى القريب جنة الأرض ، وقرار الملك ، تفيض بالجنود أقطارها ، عليهم أردية السيوف ، وغلائل « 5 » الحديد كأن رماحهم قرون الوعول ، ودروعهم زبد السّيول ، على خيل تأكل الأرض بحوافرها ، وتمدّ بالنّقع « 6 » سرادقها ، قد نشرت في وجوهها غرر « 7 » كأنها صحائف البرق ، وأمسكها تحجيل كأنه أسورة اللّجين ، وقرّطت « 8 » عذرا كالشّنوف ، في جيش يتلقّف الأعداء أوائله ، ولم تنهض أواخره ،
هامش
( 1 ) لغة في سر من رأى ، وقد قدمنا كلمة هنا في ص 134 . ( 2 ) أي أنهضهم للرحيل . ( 3 ) أي المسافر الراحل . ( 4 ) أرجفوا : خاضوا في أخبار الفتن ونحوها . ( 5 ) الغلائل جمع غلالة بالكسر : وهي الشعار الذي يلبس تحت الثياب مما يلي الجسد ، والوعول جمع وعل كشمس وكتف : وهو تيس الجبل . ( 6 ) النقع : الغبار . ( 7 ) الغرر جمع غرة بالضم : وهي بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم ، والتحجيل : بياض في قواء الفرس ، واللجين : الفضة . ( 8 ) العذر جمع عذار ككتاب : وهو من اللجام ما سال على خد الفرس : وقرط الجارية : ألبسها القرط ، والشنوف جمع شنف بالفتح : وهو القرط الأعلى .