تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
أما بعد ، فإن مثلك مثل البقرة تثير المدية بقرنيها ، والنملة يكون حتفها في جناحيها ، وستعلم - هبلتك « 1 » الهوابل ! أيها الأحمق الجاهل ، الذي ثنى على الغىّ عطفه ، واغترّ بضجاج المواكب خلفه - أىّ موردة هلكة بإذن اللّه تورّدت ، إذ على اللّه جل وعز تمرّدت وشردت ، فإنه تبارك وتعالى قد ضرب لك في كتابه مثلا :
« قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ » .
وإنا كنا نقرّبك إلينا ، وننسبك إلى بيوتنا ، طمعا في إنابتك ، وتأميلا لفيئتك « 2 » ، فلما طال في الغىّ انهما كك ، وفي غمرة الجهل ارتباكك ، ولم نر الموعظة تلين كبدك ، ولا التذكير يقيم أودك « 3 » ، لم تكن لهذه النسبة أهلا ، ولا لإضافتك إلينا موضعا ومحلّا ، بل لا نكنى بأبى العباس إلا تكرّها ، وطمعا بأن يهب اللّه منك خلفا نقلّده اسمك ، ونكنى به دونك ، ونعدّك كنت نسيا منسيّا « 4 » ، ولم تك شيئا مقضيّا ، فانظر - ولا نظر بك - إلى عار نسبته تقلّدت ، وسخط من قبلنا تعرّضت ، واعلم أن البلاء بإذن اللّه قد أظلّك ، والمكروه إن شاء اللّه قد أحاط بك ، والعساكر بحمد اللّه قد أتتك كالسّيل في الليل ، تؤذنك بحرب وبويل ، فإنا نقسم - ونرجو أن لا نجور ونظلم - ألا نثنى عنك عنانا ، ولا نؤثر على شانك شانا ، ولا تتوقّل « 5 » ذروة جبل ، ولا تلج بطن واد ، إلا تبعناك « 6 » بحول اللّه وقوته فيهما ، وطلبناك حيث أممت منهما ، منفقين فيك كلّ مال خطير ، ومستصغرين بسببك كل خطب جليل ، حتى تستمرّ من طعم العيش ما استحليت ، وتستدفع من البلايا ما استدعيت ، حين لا دافع بحول اللّه عنك ، ولا مزحزح لنا
هامش
( 1 ) هبلته أمه كفرح : ثكلته ، وامرأة هابل وهبول . ( 2 ) الفيئة : الرحوع . ( 3 ) الأود : الاعوجاج . ( 4 ) النسى : مانسى . ( 5 ) وقل في الجبل كوعد وتوقل : صعد . ( 6 ) في الأصل « جعلناك » والظاهر أنه محرف ، وصوابه « تبعناك » كما ذكره مصحح صبح الأعشى .