تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
عن ساحتك ، وتعرف من قدر الرخاء ما حهلت ، وتودّ أنك هبلت ولم تكن بالمعصية عحلت ، ولا رأى من أضلّك من غواتك قبلت ، فحينئذ يتفرّى « 1 » لك الليل عن صبحه ، ويسفر لك الحقّ عن محضه ، فتنظر بعينين لا غشاوة عليهما ، وتسمع بأذنين لا وقر « 2 » فيهما ، وتعلم أنك كنت متمسّكا بحبائل غرور ، متماديا في مقابح أمور ، من عقوق لا ينام طالبه ، وبغى لا ينجو هاربه ، وغدر لا ينتعش صريعه ، وكفران لا يودى « 3 » قتيله ، وتقف على سوء رويتّك ، وعظم جريرتك ، في تركك قبول الأمان ، إذ هو لك مبذول ، وأنت عليه محمول ، وإذ السيف عنك مغمود ، وباب التوبة إليك مفتوح ، وتتلهّف والتلهف غير نافعك ، إلا أن تكون أجبت إليه مسرعا ، وانقدت إليه منتصحا . وإن مما زاد في ذنوبك عندي ما ورد به كتابك علىّ بعد نفوذى على الفسطاط من التمويهات والأعاليل « 4 » ، والعدات بالأباطيل ، من مصيرك - بزعمك - إلى إصلاح ما ذكرت أنه فسد علىّ ، حتى ملت إلى الإسكندرية فأقمت بها طول هذه المدة ، واستظهارا عليك بالحجة ، وقطعا لمن عسى أن يتعلّق به معذرة علم بأن الأناة غير صادّة ، ولا أنه خالجنى شكّ ولا عارضني ريب في أنك إنما أردت النزوح « 5 » والاحتيال للهرب والنزوع إلى بعض المواضع التي لعلّ قصدك إياها يوديك « 6 » ، ولعل مصيرك إليها يكفينيك ، ويبلّغ إلىّ أكثر من الإرادة فيك ، لأنك إن شاء اللّه
هامش
( 1 ) تفرى : انشق ، والمعنى هنا ينكشف ، وسفر الصبح كضرب وأسفر : أضاء وأشرق . ( 2 ) الوقر : الصمم . ( 3 ) ودى القتيل كوعى : أعطى ديته . ( 4 ) أخذها من قول الإمام على كرم اللّه وجهه في بعض خطبه : « أعاليل بأضاليل » وفي كتب اللغة « العلالة بالضم والتعلة كتحية والعلة بالفتح : ما يتعلل به » ولم أجد فيها كلمة أعاليل ولا مفردها ، ولا بد أن تكون جمع أعلولة بالضم ، كأعاجيب وألاعيب . . . الخ . والأباطيل : جمع أبطولة بالضم أو إبطالة بالكسر أو باطل على غير قياس . ( 5 ) النزوح : البعد . ( 6 ) الذي كتب في اللغة « أودى الرجل : هلك ، وأودى به الموت : أهلكه » .