تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
لا تقصد موضعا إلا تلوتك ، ولا تأتى بلدا إلا قفوتك ، ولا تلوذ بعصمة تظن أنها تنجيك إلا استعنت باللّه عز وجل في جدّ حبلها ، وفصم « 1 » عروتها ، فإنّ أحدا لا يؤوى مثلك ولا ينصره إلا لأحد أمرين من دين أو دنيا ، فأمّا الدّين فأنت خارج من جملته ، لمقامك على العقوق ، ومخالفة ربك وإسخاطه ، وأما الدنيا فما أراه بقي معك من الحطام الذي سرقته وحملت نفسك على الإيثار به ، ما يتهيأ لك مكاثرتنا بمثله ، مع ما وهب اللّه لنا من جزيل النعمة التي نستودعه تبارك وتعالى إياها ، ونرغب إليه في إنمائها ، إلى ما أنت مقيم عليه من البغى الذي هو صارعك ، والعقوق الذي هو طالبك . وأما ما منّيتناه من مصيرك إلينا في حشودك وجموعك ومن دحل في طاعتك ، لإصلاح عملنا ، ومكافحة أعدائنا ، بأمر أظهروا فيه الشماتة بنا ، فما كان إلا بسببك ، فأصلح أيها الصبىّ الأخرق أمر نفسك قبل إصلاحك عملنا ، واحزم في أمرك قيل استعمالك الحزم لنا ، فما أحوجنا اللّه - وله الحمد - إلى نصرتك وموازرتك ، ولا اضطررنا إلى التكثّر بك على شقاقك ومعصيتك « وما كنت متّخذ المضلّين عضدا » . وليت شعري على من تهوّل بالجنود ، وتمخرق « 2 » بذكر الجيوش ؟ ومن هؤلاء المسخّرون لك ، الباذلون دماءهم وأموالهم وأديانهم دونك ، دون رزق ترزقهم إياه ، ولا عطاء تدرّه عليهم ؟ فقد علمت - إن كان لك تمييز ، أو عندك تحصيل - كيف كانت حالك في الوقعة التي كانت بناحية أطرابلس « 3 » ، وكيف خذلك أولياؤك والمرتزقة معك حتى هزمت ، فكيف تغترّ بمن معك من الجنود الذين لا اسم لهم
هامش
( 1 ) الجد : القطع . والفصم : القطع والكسر أيضا . ( 2 ) المخرقة : التمويه ، والممخرق : المموه . ( 3 ) يقال فيها : طرابلس وأطرابلس كما جاء في معجم ياقوت .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 320 | أحمد زكي صفوت