تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
ما خاطب به داود بن خلف الأصبهاني : « وإن قال كذا فقد خرج عن الملّة ، والحمد للّه » فنقض ذلك عليه داود ، وقال فيما رد عليه : تحمد اللّه على أن تخرج امرا مسلما من الإسلام ! هذا موضع استرجاع ، وللحمد مكان يليق به وإنما يقال في المصيبة :
« إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » .
فامتثلّ هذه الرسوم والمذاهب ، واجر على آدابهم ، فلكلّ رسوم امتثلوها ، وتحفّظ في صدور كتبك وفصولها ، وافتتاحها وخاتمتها ، وضع كل معنى في موضع يليق به ، وتخيّر لكل لفظة معنى يشاكلها ، وليكن ما تختم به فصولك في موضع ذكر الشكوى بمثل : « واللّه المستعان ، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل » وفي موضع ذكر البلوى : « نسأل اللّه دفع المحذور ، ونسأل اللّه صرف السوء » وفي موضع ذكر المصيبة بمثل
« إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ »
وفي موضع ذكر النعم بمثل : « والحمد للّه خالصا ، والشكر للّه واجبا » فإنها مواضع ينبغي للكاتب تفقّدها ، فإنما يكون كاتبا إذا وضع كل معنى في موضعه ، وعلّق كل لفظة على طبقها من المعنى ، فلا يجعل أول ما ينبغي له أن يكتب في آخر كتابه في أوله ، ولا أوله في آخره ، فإني سمعت جعفر بن محمد الكاتب يقول : « لا ينبغي للكاتب أن يكون كاتبا ، حتى لا يستطيع أحد أن يؤخر أول كتابه ، ولا يقدّم آخره » . واعلم أنه لا يجوز في الرسائل استعمال ما أتى في آي القرآن ، من الاقتصار والحذف ، ومخاطبة الخاصّ بالعام ، والعامّ بالخاص ، لأن اللّه سبحانه وتعالى إنما خاطب بالقرآن قوما فصحاء ، فهموا عنه جل ثناؤه أمره ونهيه ومراده ، والرسائل إنما يخاطب بها قوم دخلاء على اللغة لا علم لهم بلسان العرب ، وكذلك ينبغي للكاتب أن يتجنب اللفظ المشترك والمعنى الملتبس ، فإنه إن ذهب الكاتب على مثل قوله تعالى :
« وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها
« 1 » » وقوله :
هامش
( 1 ) تأويله : واسأل أهل القرية .