تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
وأما صدور السّلف فإنما كانت من فلان بن فلان إلى فلان ، كذلك جرت كتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى العلاء بن الحضرمىّ ، وإلى أقيال اليمن ، وإلى كسرى وقيصر ، وكتب أصحابه والتابعين كذلك ، حتى استخلص الكتّاب هذه المحدثات من بدائع الصدور ، واستنبطوا لطيف الكلام ، ورتّبوا لكلّ رتبة ، وجروا على تلك السّنّة الماضية إلى عصرنا هذا في كتب الخلفاء والأمراء ، وثبتوا على ذلك المنهاج في كتب الفتوحات والأمانات والسّجلّات . ولكل مكتوب إليه قدر ووزن ينبغي للكاتب أن لا يتجاوز به عنه ، ولا يقصّر به دونه ، وقد رأيتهم عابوا الأحوص « 1 » حين خاطب الملوك بمخاطبة العوامّ في قوله :
وأراك تفعل ما تقول ، وبعضهم * مذق الحديث ، يقول ما لا يفعل « 2 »
فهذا معنى صحيح في المدح ، ولكنهم أجلّوا أقدار الملوك أن يمدحوا بما يمدح به العوامّ ، لأن صدق الحديث وإنجاز الوعد وإن كان مدحا ، فهو واجب على كلّ ، والملوك لا يمدحون بالفروض الواجبة ، وإنما يحسن مدحهم بالنوافل « 3 » ، لأن المادح لو قال لبعض الملوك : إنك لا تزني بحليلة « 4 » جارك ، وإنك لا تخون ما استودعت ، وإنك تصدق في وعدك ، وتفي بعهدك ، كان قد أثنى بما يجب ، ولكنه لم يصل بثنائه إلى مقصد ، وقال ما لا يستحسن مثله في الملوك . ونحن نعلم أن كل أمير تولّى من أمور المؤمنين شيئا فهو أمير المؤمنين ، غير أنهم لم يطلقوا هذه اللفظة إلا للخلفاء خاصّة ، ونعلم أن الكيس هو العقل إذا عنوا به ضدّ الحمق « 5 » ، ولكنك لو وصفت رجلا فقلت : « إن فلانا لعاقل »
هامش
( 1 ) شاعر أموي من أهل المدينة توفى سنة 105 - انظر ترجمته في الأغانى 4 : 40 ، والشعر والشعراء ص 204 . ( 2 ) مذق اللبن كنصر مذقا فهو ممذوق ومذيق ومذق كفرح : خلطه بالماء ، ومنه قيل : فلان يمذق الود : إذا لم يخلصه . ( 3 ) النوافل ، جمع نافلة ، وهي ما تفعله مما لم يجب . ( 4 ) الحليلة : الزوجة . ( 5 ) وله معان أخر ، وهي : الجود والطيب والجماع والغلبة بالكياسة .