تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
كنت قد مدحته عند الناس ، ولو قلت : « إنه كيّس » كنت قد قصّرت به عن وصفه ، وصغّرت من قدره ، إلا عند أهل العلم باللغة ، لأن العامة لا تلتفت إلى معنى الكلمة إلا إلى حيث جرت منها العادة في استعمالها في الظاهر ، إذ كان استعمال العامة لهذه الكلمة مع الحداثة والغرّة وخساسة النفس وصغر السّنّ ، وقد روينا عن علىّ رضى اللّه عنه أنه تبجّح « 1 » بالكيس حين بنى سجن الكوفة فقال في ذلك :
أما تراني كيّسا مكيّسا * بنيت بعد نافع مخيّسا « 2 » * حصنا حصينا وأمينا كيّسا « 3 » *
وقال الشاعر : « ما يصنع الأحمق المرزوق بالكيس ، ونعلم أن الصلاة رحمة ، غير أنهم قد حرّموها « 4 » إلّا على الأنبياء ، كذلك روى عن ابن عباس رضى اللّه عنه ، وسمع سعد بن أبي وقّاص أخاله يلبّى ويقول في تلبيته : « لبّيك يا ذا المعارج « 5 » » فقال : نحن نعلم أنه ذو المعارج ، ولكن ليس كذلك ، كنا نلبى على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إنما كنا نقول : لبّيك اللهمّ لبّيك » وكان أبو إبراهيم المزنىّ قال في بعض
هامش
( 1 ) تبجح بالشئ : إذا فخر به ، وفي العقد « أنه تسمى بالكيس » . ( 2 ) الكيس المكيس . الظريف والمعروف بالكيس ، والمخيس بكسر الياء المشددة وفتحها : السجن ، لأنه يخيس المحبوسين أي يذلهم ، أو هو موضع التخييس ، واسم سجن بناه على رضى اللّه عنه بالكوفة ، وكان أولا بنى سجنا بها سماه نافعا ، وكان غير مستوثق البناء - وكان من قصب - فكان المحبوسون يهربون منه ، وقيل إنه نقب وأفلت منه المحبسون ، فهدمه على وبنى لهم المخيس من مدر ، وجاء في شفاء الغليل ص 109 : « ولم يكن في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان رضى اللّه عنهم سجن ، وكان يحبس في المسجد أو في الدهليز حيث أمكن ، فلما كان زمن سيدنا على رضى اللّه عنه أحدث السجن ، وكان أول من أحدثه في الاسلام ، وسماه نافعا ولم يكن حصينا ، فانفلت الناس منه ، فبنى آخر وسماه مخيسا وقال فيه . . . . » . ( 3 ) في الأصل « وأميرا » وفي اللسان والقاموس والشفاء « وأمينا » . ( 4 ) في العقد « كرهوا الصلاة » . ( 5 ) المعراج بكسر الميم والمعرج بكسرها وفتحها : السلم . والمرقاة ، بالكسر والفتح أيضا .