تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
واستغنينا عن الترتيب للتجار والسّوقة والعوامّ رتبة ، لاستغنائهم بتجارتهم عن هذه الآلات ، واشتغالهم بمهمّاتهم عن هذه الأدوات . ولكل طبقة من هذه الطبقات معان ومذاهب يجب عليك أن تراعيها في مراسلتك إياهم في كتبك ، فتزن كلامك في مخاطبتهم بميزانه ، وتعطيه قسمه ، وتوفّيه نصيبه ، فإنك متى أهملت ذلك وأضعته ، لم آمن عليك أن تعدل بهم عن طريقهم ، وتسلك بهم في غير مسلكهم ، وتجرى شعاع بلاغتك في غير مجراه ، وتنظم جوهر كلامك في غير سلكه . فلا تعتدّ « 1 » بالمعنى الجزل ما لم تلبسه لفظا جزلا لائقا بمن كاتبته ، ومشابها لمن راسلته ، فإن إلباسك المعنى - وإن شرف وصلح - لفظا مختلفا عن قدر المكتوب إليه ، لم تجربه عادتهم ، تهجين « 2 » للمعنى ، وإخلال بقدره ، وظلم لحقّ المكتوب إليه ، ونقص مما يجب له ؛ كما أن في اتّباع « 3 » تعارفهم ، وما انتشرت به عاداتهم ، وجرت به سنّتهم ، قطعا لعذرهم ، وخروجا من حقوقهم ، وبلوغا إلى غير غاية مرادهم ، وإسقاطا لحجّة أدبهم ، فمن « 4 » الألفاظ المرغوب عنها ، والصدور المستوحش منها ، في كتب السادات والأمراء والملوك - على اتفاق المعاني - مثل : « أبقاك اللّه طويلا » و « عمرك مليّا « 5 » » وإن كنا نعلم أنه لا فرقان بين قولهم : « أطال اللّه بقاءك » وبين قولهم : « أبقاك اللّه طويلا » ولكنهم جعلوا هذا أرجح وزنا ، وأنبه قدرا ، في مخاطبة الملوك ، كما أنهم جعلوا : « أكرمك اللّه وأبقاك » أحسن منزلة في كتب الفضلاء والأدباء ، من « جعلت فداك » على اشتراك معناه ، واحتماله أن يكون فداء من الخير ، كما يحتمل أن يكون فداء له من الشر ، ولولا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
هامش
( 1 ) في رسائل البلغاء « فلا يفيد المعنى الجزل » . ( 2 ) التهجين : التقبيح . ( 3 ) في رسائل البلغاء « كما أن في امتناع تعارفهم . . . وضعا لقدرهم » وهو تحريف . ( 4 ) في العقد « ضمن » وهو تحريف . ( 5 ) عمره اللّه وعمره : أبقاه ، ومليا : أي دهرا طويلا ، والفرق والفرقان واحد .