تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
اعلم - أيّدك اللّه - أن أدوات ديوان جميع المحاسن ، وآلات المكارم ، طائعة منقادة لهذه الصناعة التي خطبتها ، وتالية تابعة لها ، وغير خارجة إلى جحد أحكامها ، ولا دافعة لما يلزمها الإقرار به لها ، إضرارا منها إليها ، وعجزا عنها ، فإن تقاضتك نفسك علمها ، ونازعتك همّتك إلى طلها ، فاتخذ البرهان دليلا شاهدا ، والحقّ إماما قائدا ، يقرّب مسافة ارتيادك ، وبسهّل عليك سبل مطالبها ، واستوهب اللّه توفيقا تستنجح به مطالبك ، واستمنحه رشدا يقبل إليك بوجه مذاهبك ، فاقصد في ارتيادك ، وتأمّل الصواب في قولك وفعلك ، ولا تسكن إلى جحود قصد السابق باللّجاج ، ولا تخرج إلى إهمال حقّ المصيب بالمعاندة والإنكار ، ولا تستخفّ بالحكمة ولا تصغرها حيث وجدتها ، فترحل نافرة عن مواطنها من قلبك ، وتظعن شاردة عن مكانها من بالك ، وتتعفّى « 1 » بعد العمارة من قلبك آثارها ، وتنطمس بعد الوضوح أعلامها . واعلم أن الاكتساب بالتعلّم والتكلّف ، وطول الاختلاف إلى العلماء ، ومدارسة كتب الحكماء ، فإن أردت خوض بحار البلاغة ، وطلبت أدوات الفصاحة ، فتصفّح من رسائل المتقدّمين ما تعتمد عليه ، ومن رسائل المتأخرين ما ترجع إليه ، في تلقيح ذهنك ، واستنجاح بلاغتك ، ومن نوادر كلام الناس ما تستعين به ، ومن الأشعار والأخبار والسّير والأسمار « 2 » ما يتّسع به منطقك ، ويعذب به لسانك ، ويطول به قلمك ، وانظر في كتب المقامات والخطب ، ومحاورات العرب ، ومعاني العجم ، وحدود المنطق ، وأمثال الفرس ورسائلهم وعهودهم ، وسيرهم ووقائعهم ، ومكايدهم في حروبهم ، بعد أن تتوسط في علم النحو والتصريف واللغة والوثائق والسور والشروط ككتب السّجلّات والأمانات ، فإنه أول ما يحتاج إليه الكاتب ، وتمهر « 3 » في نزع
هامش
( 1 ) تعفى الأثر : درس وامحى . ( 2 ) في الأصل « والأسماء » وهو تحريف . ( 3 ) وفي العقد « لتكون ماهرا » . ( 12 - جمهرة رسائل العرب - رابع )