تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
آي القرآن في مواضعها ، واجتلاب الأمثال في أماكنها ، واختراع الألفاظ الجزلة ، وقرض الشعر الجيد وعلم العروض ، فإن تضمين المثل السائر ، والبيت الغابر البارع ، مما يزين كتابتك ، ما لم تخاطب خليفة أو ملكا جليل القدر ، فإن اجتلاب الشّعر في كتب الخلفاء والجلّة الرؤساء ، عيب واستهجان للكتب ، إلا أن يكون الكاتب هو القارض للشعر والصانع له ، فإن ذلك مما يزيد في أبّهته ، ويدل على براعته ، وإن شدوت « 1 » من هذه العلوم ما لا يشغلك محلّه ، وتنقّيت من هذه الفنون ما تستعين به على إطالة قلمك ، وتقويم أود « 2 » بيانك . بعد أن يكون الكاتب صحيح القريحة ، حلو الشمائل ، عذب الألفاظ ، دقيق الفهم ، حسن القامة ، بعيدا من الفدامة « 3 » ، خفيف الرّوح ، حاذق الحسّ ، محنّكا بالتجربة ، عالما بحلال الكتاب والسّنّة وحرامهما ، وبالملوك وسيرها وأيامها ، وبالدهور في تقلّبها وتداولها ، مع براعة الأدب ، وتأليف الأوصاف ، ومشاكلة الاستعارة ، وحسن الإشارة ، وشرح المعنى بمثله من القول ، حتى تنصبّ صورا منطقيّة تعرب عن أنفسها ، وتدل على أعيالها ، لأن الحكماء قد شرطوا في صفات الكتّاب : اعتدال « 4 » القامة ، وصغر الهامة « 5 » ، وخفة اللّهازم « 6 » ، وكثافة اللّحية ، وصدق الحسّ ، ولطف المذهب ، وحلاوة الشمائل ، وخفة الإشارة ، وملاحة الزّىّ ، حتى قال بعض المهالبة « 7 » لولده : « تزيّوا بزىّ الكتّاب ، فإن فيهم أدب الملوك ، وتواضع السّوقة » . ومن كمال آلة الكتابة : أن يكون الكاتب بهىّ الملبس ، نظيف المجلس ، ظاهر المروءة ، عطر الرائحة ، دقيق الذهن ، صادق الحس ، حسن البيان ، رقيق حواشي
هامش
( 1 ) شدا : أخذ طرفا من الأدب . ( 2 ) الأود : الاعوجاج . ( 3 ) الفدامة : العى عن الكلام في ثقل ورخاوة وقلة فهم ، فدم ككرم فهو فدم كصعب . ( 4 ) في رسائل البلغاء « طول القامة » . ( 5 ) الهامة : الرأس . ( 6 ) اللهزمتان : نانئان تحت الأذنين من أعلى اللحيين والخدين . ( 7 ) المهالبة : بنو المهلب بن أبي صفرة .