« بذل المغبونين ، فإن المغبون لا محمود ولا مأجور » ولذلك قالوا : « لا تكن أدنى العيرين « 1 » إلى السّهم » يقول : إذا أعطيت السائلين مالك صارت مقاتلك أظهر لأعدائك من مقاتلهم ، وقالوا : « الفرار بقراب أكيس « 2 » » وقال أبو الأسود :
« ليس من العز أن تتعرض للذل ، ولا من الكرم أن تستدعى اللؤم » ومن أخرج ماله من يده افتقر ، ومن افتقر فلا بد له من أن يضرع « 3 » ، والضّرع لؤم . وإن كان الجود شقيق الكرم ، فالأنفة أولى بالكرم « 4 » ، وقد قال الأول : « اللهم لا تنزلنى « 5 » ماء سوء ، فأكون امرأ سوء » .
وقد قال الشاعر :
وأخط مع الدهر إذا ما خطا * واجر مع الدهر كما يجرى
وقد قال الآخر :
يا ليت لي نعلين من جلد الضّبع * وشركا من ثغرها « 6 » لا تنقطع
كلّ الحذاء يحتذى الحافي الوقع « 7 »
وقد صدق قول القائل : « من احتاج اغتفر ، ومن اقتضى « 8 » تجوّز » وقيل
هامش
( 1 ) العير : الحمار ، والعيران هنا السائل والمسؤول ، فإذا أعطى المسؤول كل ماله للسائل تعرض لسهام أعدئه ولم يقو على نزالهم .
( 2 ) القراب : الغمد ، والمثل لجابر بن عمرو المازني . وذلك أنه كان يسير يوما في طريق إذ رأى أثر رجلين ، وكان عائفا قائفا ( والعائف : المتكهن بالطير أو غيرها ، والقائف : من يعرف الآثار ) فقال :
أرى أثر رجلين شديدا كلبهما عزيزا سلبهما والفرار بقرب أكيس . أراد ذو الفرار أي الذي يفر ومعه قراب سيفه إذا فاته السيف أكيس ممن يفيت القراب أيضا .
( 3 ) أي بدل .
( 4 ) يقول : إذا كان الجود شقيق كرم النفس ، وجب على الجواد ألا يسعى في إذلال نفسه ، وأن يحافظ على أنفتها وإبائها ، وإنما يكون ذلك بالمحافظة على ماله .
( 5 ) هكذا في الحيوان للجاحظ ، وفي النسخ « لا تثرلى » .
( 6 ) هكذا في مجمع الأمثال ، وفي النسخ « من استها » والشرك جمع : شراك ككتاب ، وهو سير النعل .
( 7 ) وقع الرجل كفرح : إذا حفى من مره على الحجارة ، وهو مثل يضرب عند الحاجة تحمل على التعلق بما يقدر عليه .
( 8 ) اقتضى دينه وتقاضاه بمعنى .
( 8 - جمهرة رسائل العرب - رابع )