من اللّه ، وأمر نحن فيه سواء ، ليس لأحد من المسلمين فيه رخصة « 1 » دون أحد ، فإن وجب وفاء فيه فما الأول بأحقّ به من الآخر ، وإن حلّ من الآخر شئ فما حرّم ذلك من الأول ، بل الأول الذي تلا خبره ، وعرف أثره ، وكشف عما ظنّ به وأمّل فيه أسرع ، وكان الحقّ أولى بالذي أراد أن يصنع أوّلا ، فلا يدعك إلى الأمن من البلاء اغترار باللّه ، وترخيص للناس في ترك الوفاء ، فإنّ من أجابك إلى ترك شئ وجب لي ، واستحلّ ذلك منى ، لم يحرج « 2 » إذا أمكنته الفرصة ، وأفتنته « 3 » بالرّخصة ، أن يكون إلى مثل ذلك منك أسرع ، ويكون بالذي أسّست من ذلك أنجع ، فاقبل العافية « 4 » ، وارض من اللّه بما صنع ، وخذ ما أوتيت بقوّة ، وكن من الشاكرين ، فإن اللّه جلّ وعز زائد من شكره ، وعدا منه حقّا لا خلف فيه ، فمن راقب اللّه حفظه ، ومن أضمر خلافه خذله ، واللّه يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصّدور ، ولسنا مع ذلك نأمن من حوادث الأمور ، وبغتات الموت ، قبل ما ابتدأت به من قطيعتى ، فإن يعجل بي أمر كنت قد كفيت مئونة ما اغتممت له ، وسترت قبح ما أردت إظهاره ، وإن بقيت بعدك لم تكن أو غرت « 5 » صدري ، وقطعت رحمي ، ولا أظهرت « 6 » أعدائي في اتّباع أثرك ، وقبول أدبك ، وعمل بمثالك .
وذكرت أن الأمور كلّها بيد اللّه هو مدبّرها ومقدّرها ومصدرها عن مشيئته ، فقد صدقت ، إنّ الأمور بيد اللّه ، وقد حقّ على من عرف ذلك ووصفه العمل به ، والانتهاء إليه .
هامش
( 1 ) الرخصة : ترخيص اللّه للعبد فيما يخففه عليه ، والتسهيل . والمعنى : ليس لأحد منهم أن يتحلل منه ، بل يجب عليهم جميعا الوفاء به .
( 2 ) حرج كفرح : أثم .
( 3 ) فتنه كضربه وفتنه وأفتنه : أوقعه في الفتنة .
( 4 ) في الأصل « العاقبة » وهو تصحيف .
( 5 ) الوغر ويحرك : الحقد والضغن والعداوة والتوقد من الغيظ ، وفي الأصل « أو عرت » وهو تصحيف .
( 6 ) ظهر عليه : غلبه وقوى عليه ، وأظهره عليه : أعانه عليه وأظفره به .