واعلم أنا لسنا جررنا إلى أنفسنا نفعا ، ولا دفعنا عنها ضرّا ، ولا نلنا الذي عرفته بحولنا ولا قوتّنا ، ولو وكلنا في ذلك إلى أنفسنا وأهوائنا ، لضعفت قوتنا ، وعجزت قدرتنا في طلب ما بلغ اللّه بنا ، ولكن اللّه إذا أراد عزما لإنفاذ أمره ، وإنجاز وعده ، وإتمام عهده ، وتأكيد عقده ، أحكم إبرامه ، وأبرم إحكامه ، ونوّر إعلانه ، وثبّت أركانه ، حين أسّس بنيانه ، فلا يستطيع العباد تأخير ما عجّل ، ولا تعجيل ما أخّر ، غير أن الشيطان عدوّ مضلّ مبين ، قد حذّر اللّه طاعته ، وبيّن عداوته ، ينزغ « 1 » بين ولاة الحق وأهل طاعته ، ليفرّق جمعهم ، ويشّتت شملهم ، ويوقع العداوة والبغضاء بينهم ، ويتبرأ منهم عند حقائق الأمور ، ومضايق البلايا ، وقد قال اللّه عز وجل في كتابه :
« وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »
.
ووصف الذين اتقوا فقال :
« إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ »
فأعيذ أمير المؤمنين باللّه من أن يكون نيته وضمير سريرته خلاف ما زيّن اللّه به جلّ وعزّ من كان قبله ، فإنه قد سألتهم أبناؤهم ، ونازعتهم أهواؤهم إلى مثل الذي همّ به أمير المؤمنين ، فآثروا الحق على ما سواه ، وعرفوا أن اللّه لا غالب لقضائه ، ولا مانع لعطائه ، ولم يأمنوا مع ذلك تغيير النّعم ، وتعجيل النّقم ، فآثروا الآجلة ، وقبلوا العافية ، وكرهوا التغيير ، وخافوا التبديل ، فأظهروا الجميل ، فتمّم اللّه لهم أمورهم ، وكفاهم ما أهمّهم ، ومنع سلطانهم ، وأعزّ أنصارهم ، وكرّم أعوانهم ، وشرّف بنيانهم ، فتمت النعم ، وتظاهرت « 2 » المنن ، فاستوجبوا الشكر ، فتمّ أمر اللّه وهم كارهون ، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة اللّه » .
* * *
هامش
( 1 ) نزغ بينهم كمنع : أفسد وأغرى ووسوس ، قال تعالى« مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي »وفي الأصل « ينزع » وهو تصحيف .
( 2 ) معناه : نضاعفت ، يقال ظاهر بين ثوبين أي لبس أحدهما على الآخر وتظاهروا عليه : تعاونوا .