غيره ، ولا نفاذ لها إلا به ، يجريها على أذلالها « 1 » ، لا يستأمر « 2 » بها وزيرا ، ولا يشاور فيها معينا ، ولا يلتبس عليه شئ أراده ، يمضى قضاؤه فيما أحبّ العباد وكرهوا ، لا يستطيعون منه امتناعا ، ولا عن أنفسهم دفاعا ، ربّ الأرض ومن عليها ، له الخلق والأمر ، تبارك اللّه ربّ العالمين .
ثم إنك قد علمت الحال التي كنّا عليها في ولاية الظّلمة : كيف كانت قوّتنا وحيلتنا ، لما اجترأ عليه أهل بيت اللّعنة علينا ، فيما أحببنا وكرهنا ، فصبرنا أنفسنا على ما دعونا إليه ، من تسليم الأمور إلى من أسندوها إليه ، واجتمع رأيهم عليه ، نسام الخسف « 3 » ، ونوطأ بالعسف ، لا ندفع ظلما ، ولا نمنع ضيما ، ولا نعطى حقا ، ولا ننكر منكرا ، ولا نستطيع لها ولا لأنفسنا نفعا ، حتى إذا بلغ الكتاب أجله ، وانتهى الأمر إلى مدّته ، وأذن اللّه في هلاك عدوّه ، وارتاح بالرحمة لأهل بيت نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، فابتعث اللّه لهم أنصارا يطلبون بثأرهم ، ويجاهدون عدوّهم ، ويدعون إلى حبّهم ، وينصرون دولتهم ، من أرضين متفرّفة ، وأسباب مختلفة ، وأهواء مؤتلفة ، فجمعهم للّه على طاعتنا ، وألّف بين قلوبهم بمودّتنا على نصرتنا ، وأعزّهم بنصرنا ، لم نلق منهم رجلا ، ولم نشهر معهم سيفا ، إلّا ما قذف اللّه في قلوبهم ، حتى ابتعثهم لنا من بلادهم ببصائر نافذة ، وطاعة خالصة ، يلقون الظّفر ، ويعودون بالنصر ، وينصرون بالرّعب ، لا يلقون أحدا إلا هزموه ، ولا واترا إلا قتلوه ، حتى بلغ اللّه بنا بذلك أقصى مدانا ، وغاية منانا ، ومنتهى آمالنا ، وإظهار حقنا ، وإهلاك عدوّنا ، كرامة من اللّه جلّ وعزّ لنا ، وفضلا منه علينا بغير حول منا ولا قوّة .
ثم لم نزل من ذلك في نعمة اللّه وفضله علينا ، حتى نشأ هذا الغلام « 4 » ، فقذف اللّه
هامش
( 1 ) يقال : أمور اللّه جارية أذلالها ( بالنصب ) وعلى أذلالها : أي مجاريها ، جمع ذل بالكسر ، وذل الطريق : محجته .
( 2 ) الاستئمار والمؤامرة : المشاورة .
( 3 ) سامه الخسف : أولاه الذل . والعسف : الظلم :
( 4 ) يعنى ابنه محمدا المهدى .