جواباتها بتصديقها ، وقد استقرّ عندي أنك مغيّب لابنيك تعرف مكانهما ، فأظهرهما لي ، فإن لك علىّ أن أعظم صلتهما وجوائزهما ، وأضعهما بحيث وضعتهما قرابتهما ، فتدارك الأمور قبل تفاقمها » .
فكتب إليه عبد اللّه بن الحسن :
وكيف أريد ذاك وأنت منى * وزندك حين تقدح من زنادى
وكيف أريد ذاك وأنت منى * بمنزلة النّياط من الفؤاد ؟ « 1 »
وكتب إليه : أنه لا يدرى أين توجها من بلاد اللّه ، ولا يدرى أين صارا ، وأنه لا يعرف الكتب ، ولا يشكّ أنها مفتعلة « 2 » . ( العقد الفريد 3 : 29 )
58 - كتاب أبى جعفر إلى النفس الزكية
ولما بلغ أبا جعفر المنصور خروج النّفس الزّكيّة بالمدينة « 3 » - وهو محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - كتب إليه :
هامش
( 1 ) النياط : عرق متصل بالقلب من الوتين إذا قطع مات صاحبه .
( 2 ) فدس المنصور إليه سالم بن قتيبة الباهلي ، وبعث معه بمال وأمره بأمره ، فقدم سالم المدينة فجلس إلى عبد اللّه بن الحسن ، وأظهر له المحبة والميل إلى ناحيته ، فلما أنس به قال له : إن نفرا من أهل خراسان - وسمى له رجالا يعرفهم ممن كان يكاتب - قد بعثوا إليك معي مالا ، وكتبوا إليك كتابا ، فقبل الكتاب والمال . فلما ازداد به أنسا واستئمانا ، قال له : إني قد بعثت بكتابين إلى أمير المؤمنين محمد ، وإلى ولى عهده إبراهيم ، وأمرت ألا أوصل ذلك إلا في أيديهما ، فإن أوصلتنى إليهما أوصلت إليهما الكتابين والمال ، ورحلت إلى القوم بما يثلج صدورهم ، فأنا عندهم بموضع الصدق والأمانة ، وإن مرهما مظلم ، وإن لم تكن تعرف مكانهما لم يخاطروا بدينهم وأموالهم ومهجهم ، فأوصله إليهما ، فدفع لهما الكتابين والمال ، وما زال سالم يحتال له ويغريه بأن يخلع أبا جعفر ويبايع ابنه محمدا حتى اجابه فخلع أبا جعفر وبايع محمدا وبايعه سالم من بعده ، وأخذ كتبه وكتب إبراهيم ومحمد فخرج فقدم على أبى جعفر فأخبره بحقيقة الأمر .
( 3 ) لم يزل النفس الزكية متغربا منذ أفضت الدولة إلى بنى العباس خوفا منهم على نفسه ، فلما علم بما جرى لأبيه ولقومه ظهر بالمدينة وأظهر أمره ، وتبعه أعيان المدينة ، ثم غلب عليها وعزل عنها أميرها ، ورتب عليها عاملا وقاضيا ، فوجه المنصور لقتاله جيشا بقيادة ابن أخيه عيسى بن موسى ، فكانت الغلبة لجيش المنصور ، وقتل النفس الزكية ، وحمل رأسه إلى المنصور سنة 145 ه ، ثم خرج أخوه إبراهيم -