فلما قرأته ، قال : إن استحساني إياه بعثني أن أمرت للجند قبله بعطائهم لسبعة أشهر « 1 » ، وأنا على مجازاة الكاتب بما يستحقه ، من حلّ محلّه في صناعته .
( وفيات الأعيان 1 : 391 ؛ وزهر الآداب 3 : 155 ، ونهاية الأرب 7 : 260 )
319 - كتابه إلى بعض الرؤساء
وكان بعض الرؤساء قد تزوجت أمه فساءه ذلك ، فكتب إليه عمرو بن مسعدة رسالة بديعة ، فلما قرأها ذلك الرئيس تسلى بها وذهب عنه ما كان يجده ، وهي :
الحمد للّه الذي كشف عنا ستر الحيرة ، وهدانا لستر العورة ، وجدع بما شرع من الحلال أنف الغيرة « 2 » ، ومنع من عضل الأمّهات « 3 » ، كما منع من وأد البنات ، استنزالا للنفوس الأبيّة عن الحميّة حميّة الجاهليّة ، ثم عرّض لجزيل الأجر من استسلم لواقع قضائه ، وعوّض جليل الذّخر من صبر على نازل بلائه ، وهنأك الذي شرح للتقوى صدرك ، ووسّع في البلوى صبرك ، وألهمك من التسليم لمشيئته ، والرّضا بقضيته ، ما وفّقك له من قضاء الواجب في أحد أبويك ومن عظّم حقّه عليك ، وجعل اللّه - تعالى جدّه - ما تجرّعته من أنف ، وكظمته من أسف ، معدودا فيما يعظم به أجرك ، ويجزل عليه ذخرك ، وقرن بالحاضر من امتعاضك بفعلها ، المنتظر من ارتماضك « 4 » بدفنها ، فتستوفى بها المصيبة ، وتستكمل عنها المثوبة ، فوصل اللّه لسيدي ما استشعره من الصير على عرسها ، بما يستكسبه من الصّبر على نفسها « 5 » ، وعوّضه من أسرّة فرشها ، أعواد
هامش
( 1 ) وفي زهر الآداب « ألا ترى يا أحمد إلى إدماجه في الأجناد ، وإعفائه سلطانه من الإكثار ، ثم أمر لهم برزق ثمانية أشهر » .
( 2 ) أخذه من قوله صلى اللّه عليه وسلم ليلة زفت فاطمة إلى علي رضى اللّه عنهما « جدع الحلال أنف الغيرة » وجدع أنفه كمنع : قطعه .
( 3 ) عضل المرأة : منعها الزوج ظلما ، ووأد بنته : دفنها حية ، والحمية : الأنفة .
( 4 ) امتعض من الأمر : شق عليه ، وارتمض منه : اشتد عليه وأقلقه أيضا .
( 5 ) أي حين موتها .