« أما بعد : فإن الإعذار بالحق حجّة اللّه المقرون بها النصر ، والاحتجاج بالعدل دعوة اللّه الموصول بها العزّ ، ولا يزال المعذر بالحق ، المحتجّ بالعدل في استفتاح أبواب التأييد ، واستدعاء أسباب التمكين ، حتى يفتح اللّه وهو خير الفاتحين ، ويمكّن وهو خير الممكّنين ، ولست تعدو أن تكون فيما لهجت « 1 » به أحد ثلاثة :
طالب دين ، أو ملتمس دنيا ، أو متهوّرا يطلب الغلبة ظلما ، فإن كنت للدّين تسعى بما تصنع ، فأوضح ذلك لأمير المؤمنين يغتنم قبوله إن كان حقا ، فلعمري ما همّته الكبرى ، ولا غايته القصوى ، إلا الميل مع الحق حيث مال ، والزوال مع العدل حيث زال ، وإن كنت للدنيا تقصد فأعلم أمير المؤمنين غايتك فيها ، والأمر الذي تستحقها به ، فإن استحققتها وأمكنه ذلك فعله بك ، فلعمري ما يستجيز منع خلق ما يستحقّه وإن عظم ، وإن كنت متهوّرا فسيكفى اللّه أمير المؤمنين مؤنتك .
ويعجّل ذلك كما عجّل كفايتة مؤن قوم سلكوا مثل طريقك ، كانوا أقوى يدا ، وأكثف جندا ، وأكثر جمعا وعددا ونصرا منك ، فيما أصارهم إليه من مصارع الخاسرين ، وأنزل بهم من حوائج « 2 » الظالمين .
وأمير المؤمنين يختم كتابه بشهادة أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وضمانه لك في دينه وذمّته الصّفح عن سوالف جرائمك ، ومتقدّمات جرائرك « 3 » ، وإنزالك ما تستأهل من منازل العز والرفعة ، إن أنبت وراجعت إن شاء اللّه ، والسلام » .
وخرج نصر إلى عبد اللّه بن طاهر بالأمان ، فوجّه به إلى بغداد ، فأنزله المأمون مدينة أبى جعفر ، ووكّل به من يحفظه ( سنة 210 ه ) .
( تاريخ الطبري 10 : 268 )
هامش
( 1 ) لهج بالأمر كفرح : أغرى به فثابر عليه .
( 2 ) الجوائح : جمع جائحة ، وهي الآفة المهلكة .
( 3 ) الجرائر : جمع جريرة ، وهي الجريمة .