تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
أم نشكرك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فيما حظفت فيه من عترته « 1 » ؟ بعفوك عن مجرمهم ، ومضاعفتك ثواب محسنهم ، وإحيائك من أمرهم ، ما كان قد اندرس وانطمس ، معدّا للقاء نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد رعيت منه في قرابته وقرابتك وذوى رحمه ورحمك ما ضيّع الناس ، ووصلت منهم ما كان وصله . إذ كان اللّه عز وجل قد فرض صلة الأرحام ، فكان أطوع خلق اللّه عز وجل فيما فرض عليه ، أم نشكرك عن العوامّ ؟ فقد ألبست المسلمين ثوب الأمن ، وأذقتهم طعم السّعة والرّفاغة « 2 » ، وعدلت بينهم بالإنصاف ، وتولّيت دونهم النّصب ، وآثرتهم بالرّاحة ، أم نشكرك عن الملوك والقواد والأجناد ؟ فأنت الذي رفعت منازلهم ، ووفّرت عددهم ، فلم يكونوا في دهر أحد من الخلفاء أسعد ولا أحظى منهم في سلطانك ، بما بذلت لهم من المعاون ، وولّيتهم من الثغور والأمصار ، وأدررت عليهم من الأرزاق والخواصّ ، أم نشكرك عن الأحكام والسنن ؟ فأنت الذي أنهجت « 3 » سبيلها ، فأوجبت فرضها ، ونافست في أهلها ، أم نشكرك عن الأعداء ؟ فأنت الذي بدأتهم بالحجّة ، ودعوتهم إلى الفيئة « 4 » والإنابة ، ثم ثنّيت معقّبا بالعفو ، ونعشتهم بعد البؤس ، وآنستهم من الوحشة ، أم نشكرك على مكارم الأخلاق ؟ فأنت الذي ثبّتّ وطاءها « 5 » ، ونفيت عنها أضدادها ، ولو نطقت بالفضل لنطقت بشكرك في إزالتك إياها عن اللئام ، وإخطائك من اعتزى « 6 » ( منهم ) إليها ، أم نشكرك عن الثغور ؟ فأنت الذي تمّمتها وحصّنت عوراتها « 7 » ، أم نشكرك عن السّلف ؟ فأنت الذي أشدت بفعالهم ، وحفظتهم في أبنائهم ، أم نشكرك عن برد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعن القضيب الذي ( كان ) يتخصّر « 8 » ، حتى جعلتهما زينتك ، وسموت بهما في أعيادك
هامش
( 1 ) العترة : نسل الرجل ورهطه وعشيرته الأدنون . ( 2 ) الرفاغة : الرفاهية . ( 3 ) أي أوضحت . ( 4 ) الفيئة : الرجوع . ( 5 ) في الأصل « وطأتها » . ( 6 ) أي انتسب . ( 7 ) في الأصل « عذراتها » . ( 8 ) أي يمسكه بيده .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 354 | أحمد زكي صفوت