خراسان ، فنظر به خيرهم ، وعرفوا ما تصرّفت به أحوالهم ، وظهر لهم من بيان حجّته على من نازعه في الأمر ، وشاهدوا من إبلاغه في العذر ، واستظهاره بالتأنّى والصبر ، ما أزاح عنهم الشّبهة ، وكشط « 1 » الحيرة ، حتى استراثوا « 2 » نهوضه بحقه ، وخافوا الزّيغ على أديانهم فيما أعطوه من صفقة أيمانهم ، وهو ماض على عادته ، مستديم للموادعة ، متلوّم « 3 » على المراجعة ، بالغ غاية ما وسعه من الرّخصة في دفع الولاية التي نهنه « 4 » بها الرعية ، حتى ضاق عليه في دينه ترك القيام بما أنهضه اللّه به من ثقلها ، وقلّده من حملها ، وخان المخلوع فابتغاه بالشّرّة والعزّة ، فتناول أولياء الحق باغيا طاغيا ، لما أراد اللّه من تأييدهم « 5 » عليه بالبيان والحجّة التي وجب « 6 » لها قلبه ، وفتّ بها في عضده « 7 » ، وقبل اللّه ما أيّدكم به « 8 » من النصر والغلبة فيه التي جعلها اللّه للمتقين ، فاجتمع لكم معشر أهل خراسان في دولة أمير المؤمنين ثلاث خلال اختصّكم اللّه بفضيلتها ، وسنىّ « 9 » مراتبها ، دون ثلاث شملتكم وغيركم :
أمّا الأولى من اللواتي خصّكم اللّه بهن ، فما تقدّم لأسلافكم من نصرة أهل بيت [ النبي ] وخاتم ميراثه من آباء أمير المؤمنين . وأمّا الثانية فما آثركم اللّه به من نصرته في دعوته الثانية . وأما الثالثة فما تقدّمتم به من صحة ضمائركم ، ومحض « 10 » مناصحتكم .
وأما الثلاث اللواتي هن لكم ولغيركم :
فمنهن : ما أكّد اللّه لأمير المؤمنين في أعناق المسلمين ، من العهد الذي أخذ إصره « 11 » ، وألهمهم الوفاء به ، والتمسّك بوثائق عصمته ، عند محاولة المخلوع ما حاول
هامش
( 1 ) أي كشف ، وبابه ضرب .
( 2 ) استراثه : استبطأه ، وفي الأصل « استزادوا » وهو تحريف .
( 3 ) تلوم في الأمر : تمكث وانتظر .
( 4 ) نهنهه : كفه وزجره .
( 5 ) في الأصل « تاديهم » .
( 6 ) أي اضطرب وخفق .
( 7 ) فت في عضده : أضعفه .
( 8 ) في الأصل « وقبل ما أر . . . . كم به من النصر » وقد أصلحته كما ترى .
( 9 ) أي رفيع .
( 10 ) أي خالص ،
( 11 ) الإصر : العهد .