تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
فلما فرغنا من ذلك بدأني يسألني المصير إلى منزل كان ارتاده لي ، فأعلمته ما معي من الأمور التي لا تحتمل تأخير المناظرة فيها ، ثم دفع إليه « رجاء » الخادم كتاب أمير المؤمنين ، وأبلغه رسالته ، فعلم عند ذلك أن قد حلّ به الأمر الذي جناه على نفسه ، وكسبته يداه ، من سخط أمير المؤمنين ، وتغيّر رأيه ، بخلافه أمره ، وتعدّيه سيرته . ثم صرت إلى التوكيل به ، ومضيت إلى المسجد الجامع ، فبسطت آمال الناس ممّن حضر ، وافتتحت القول بما حمّلنى أمير المؤمنين إليهم ، وأعلمتهم إعظام أمير المؤمنين ما أتاه ووضح عنده من سوء سيرة علىّ ، وما أمرني به فيه وفي عمّاله وأعوانه ، وأنى بالغ من ذلك ، ومن إنصاف العامة والخاصّة ، والأخذ لهم بحقوقهم أقصى غايتهم ، وأمرت بقراءة عهدي عليهم ، وأعلمتهم أن ذلك مثالي وإمامي ، وأنّى به أقتدى ، وعليه أحتذى ، فمتى زلت عن باب واحد من أبوابه فقد ظلمت نفسي ، وأحللت بها ما يحلّ بمن خالف رأى أمير المؤمنين وأمره ، فأظهروا السرور بذلك والاستبشار ، وعلت بالتكبير والتهليل أصواتهم ، وكثر دعاؤهم لأمير المؤمنين بالبقاء ، وحسن الجزاء . ثم انكفأت إلى المجلس الذي كان علىّ بن عيسى فيه ، فصرت إلى تقييده وتقييد ولده وأهل بيته وكتّابه وعمّاله ، والاستيثاق منهم جميعا ، وأمرتهم بالخروج إلىّ من الأموال التي احتجنوها « 1 » من أموال أمير المؤمنين وفىء المسلمين ، وإعفائى بذلك من الإقدام عليهم بالمكروه والضرب ، وناديت في أصحاب ودائعهم بإخراج ما كان عندهم ، فحملوا إلىّ - إلى أن كتبت إلى أمير المؤمنين - صدرا صالحا من الورق والعين « 2 » ، وأرجو أن يعين اللّه على استيفاء ما قبلهم ، واستنظاف ما وراء ظهورهم ، ويسهّل اللّه من ذلك أفضل ما لم يزل يعوّده أمير المؤمنين من الصّنع في مثله ، من الأمور التي يعنى بها إن شاء اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) احتجن المال : ضمه واحتواه . ( 2 ) الورق : الدراهم المضروبة ، والعين : الدينار .