تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
بصره عن مواقع الصواب أن يراه ، والنّعمة أن يشكرها ، والحقّ أن يؤدّيه ، وكانت معرفته عليه وبالا ، وحسده إلى الغير به قائدا ، وذو هوى قاده الهوى إلى البدعة ، وأخرجته الضلالة من الجماعة ، فهو عرضة لسوء الأدب أو سيف النّكال ، لم يوحش اللّه أحدا بفقده « 1 » ، ولم يعزّر « 2 » أحدا بموالاته ، وموثّق معصوم « 3 » استنقذه اللّه بموالاة أمير المؤمنين من غلّ الحسد ، وبدع الآراء ، وجبله على صحّة الهوى ، فهو إن نظر فبعينه ينظر ، وإن قال فبلسانه يقول ، لا يأمن حتى يعلم أن أمير المؤمنين قد استوطأ مهاد الخفض ، ولا يزال له طليعة رأى توفى على خطّة حزم ، وغامض فطنة تغلغل إلى لطيف منفعة ، وسهم مكيدة نحو عورة « 4 » ، قد علم أن يوم أمير المؤمنين يومه ، وأن غده غده ، فهو إن تعرّض لأداء الحقّ في نصيحته ، ينظر لنفسه نظر من لا يأمل السلامة إلا بسلامته ، ولا البقاء إلا ببقائه ، وقد رجوت بالقرابة التي جعلها اللّه لي به ، والواجب الذي عرفته من حقه ، والعظيم الذي حملته من معروفه ، ألّا يكون أحد ينظر إليه بعين الإشفاق أقوم ما جعله اللّه أهله منى ، فإن أبلغ الذي أردت فبتوفيق اللّه ، وإن أقصّر فعن مثل ما حاولت قصّر المجتهد . فأوّل ما أنا ذاكره من فضله : أن اللّه قدّم له الصّنع في سابق علمه ، فجعل محتده « 5 » خير المحاتد عنصرا ، ثم اختار له أبا فأبا ، لا ينقله من أب إلى أب إلا نقل معه وإليه فضيلة العنصر الذي هو منه ، حتى صيره بعد فضائل أبيه إلى أفضل بدنه « 6 » فكان خير خلف من خير سلف ، وأفضل ولد من أفضل أبوّة ، وأرضى إمام من أزكى أئمة ، ثم اختار له مكارم الأخلاق ، وألبسه جمال الصورة ، فلا نعلم نحن ولا
هامش
( 1 ) في الأصل « لمن يوحش اللّه أخذه بفقده » . ( 2 ) عزره : فخمه وعظمه - أو صوابه « ولم يعزز » أي لم يجعله عزيزا ، والمعنى واحد . ( 3 ) في الأصل « وموثق معصوم ثم استنقذه بموالاة . . . » . ( 4 ) العورة : الخلل في الثغر ونحوه . ( 5 ) المحتد : الأصل . ( 6 ) بدن الرجل . نسبه وحسبه .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 210 | أحمد زكي صفوت