وأما الجزيرة فإنه ألفاها وهي كالجرح النّغل « 1 » ، فاستأصل اللّه به منها شأفة الداء ، وأطفأ به عنها نوائر « 2 » السفهاء ، وخيّر أمير المؤمنين من منزله الذي هو به منزلا جمع من بسطة في الموضع ، ورفاغية « 3 » في المعاش ، أنه حامل للجنود ، جامع للمرافق ، فباشر أمره أمرا أمرا ، حتى إذا استدبر « 4 » ، له منها مبرم ، استقبل بعده جسام « 5 » منتقض ، وإذا أثخن « 6 » من ثغوره ثغر لم يرض حتى يفتتح من حصون أعدائه حصنا ، وإذا قضى اللّه عنه حجّة ، وصل خطوه منها عزّا ، ثم رأينا ما عزم اللّه به عليه من ترك الصوائف « 7 » ، مراقبا للذي كان من غموط « 8 » أهل الشام لما كانوا فيه من النعمة ، فلم نشكك في أنه توفيق من اللّه له وافق سخطا عليهم ، حتى استباحوا الحرم ، وتسافكوا الدماء ، ونقضوا ما بينهم من مبرم حبل الإسلام .
ومن ذلك أن أرمينية كانت فيها جنود تخرج عليهم أطماع « 9 » ، وتحمل إليهم - بعد اعترافهم خراجهم - الأموال من كور الشام ، فلما رأى ذلك فعل كذا وكذا ، فلم يتوكّل على اللّه في أمره فوكله إلى نفسه ، ولم يكتف به في حفظ طرف أو قاصية ثغر إلّا كفاه مئونته ، وعلم أن ما يدخل منن « 10 » أضعاف العافية من عوارض العلل ، إنما هو تقدير من اللّه لا يمتنع بعذر ، ولا يستطاع دفعه بحيلة ، يصيب فيه أقواما بالبلايا والتمحيص ، ويقسم فيه لأقوام الأجر والجهاد والسعادة ، فرأى أنّ في عاجل
هامش
( 1 ) من نغل الأديم كفرح : إذا فسد في الدباغ ، والشأفة : قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب ، والأصل ، واستأصل اللّه شأفته : أذهبه كما تذهب تلك القرحة ، أو معناه : أزاله من أصله .
( 2 ) نوائر : جمع نائرة ، وهي العداوة والشحناء ، وفي الأصل « بوائر » .
( 3 ) الرفاغية : الرفاهية ، سعة العيش والخصب .
( 4 ) في الأصل « استدمج » .
( 5 ) شئ جسيم وجسام : عظيم .
( 6 ) أثخنه : غلبه وأوهنه ، وفي الأصل « وإذا أشحن من ثغوره ثغرا » وهو تحريف .
( 7 ) الصوائف : جمع صائفة ، وهي غزوة الروم ، لأنهم كانوا يغزون صيفا لمكان البرد والثلج .
( 8 ) غمط النعمة كضرب وسمع : بطرها وحقرها ولم يشكرها ( غير أن الوارد في كتب اللغة أن مصدره غمط كشمش لا غموط ) .
( 9 ) أطماع : جمع طمع بالتحريك ، وهو رزق الجند .
( 10 ) المنن : جمع منة بالضم ، وهي : القوة .