تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
آباؤنا خليفة أبعد في حلمه من ذلّ ، ولا في هيبته من تجبّر ، ولا في شدّته من عنف ، ولا في لينه من وهن ، ولا في أناته من غفلة ، ولا في اقتصاده من بخل ، ولا في بذله من إضاعة ، ولا أرقّ وجها عند لقاء ، ولا أحسن بشرا عند تحيّة ، ولا أغزر دمعا عند موعظة ، ولا ألين قيادا عند تذكير باللّه منه . ثم أفضت إليه الخلافة ، وفي المال ما فيه من القلة ، وفي الناس ما فيهم من الاستجراح « 1 » ، فما دفع عن مال يعطيه عن قلّة ، ولا قطع عادة توسعة على رعيته ، ثم استدرّ الحلب برفقه ، فكلما درّ له منه شخب « 2 » فوّقه طائفة من جنده ، حتى سقاهم بعد التفويق ريّا ، وبعد النّهل عللا « 3 » ، ثم ساس رعيته بألين السياسة ، فعفا عن مذنبها ولو شاء لعاقب ، وآمن خائفها ولو طلب لأدرك ، ودفع بالحسنة السيئة ولو كافأ لقدر ، فما برح صنع اللّه له يفضّ جموع الضّلالة بلا قتال ، ويعزّ له النصر بلا مكاثرة ، حتى فرغ - بشغله - من كان لا يفرغ من الوزراء ، ونام - بسهره - من كان لا ينام من العامّة ، واطمأنت - بمفاءاته « 4 » للأسفار - دار من كان لا ينال الخفض من الجنود حتى استوطئوا مركب الأمن ، فكلهم ضنين بمفارقته . أمّا ذو النية فركن إلى الخفض « 5 » ، وأمّا من لا يد له « 6 » ففعل ما كان يؤخذ به من الاستكراه ، وأما الحشو من الجند والرّعاع فغلبت عليهم عادة الهوينى ، حتى لقد رأيناه يحزبه « 7 » الأمر ، فما يجد له الأمر غناء عنده إن وكله إلى قوّته ، ولا نشاطا ولا جدّا ، ولا قوّة بماله « 8 » ، فلما رأى ما رأى من تخاذل العامّة ، وتواكل
هامش
( 1 ) الاستجراح : النقصان والعيب والفساد . ( 2 ) الشخب بالفتح والضم : ما خرج من الضرع من اللبن إذا احتلب ، وفوقه إياه : أعطاه إياه قليلا قليلا . ( 3 ) النهل : الشرب الأول ، والعلل : الشرب الثاني . ( 4 ) جمع مفاءة ، من فاء : إذا رجع . ( 5 ) الخفض : الدعة ، وفي الأصل « النفض » . ( 6 ) اليد : القوة ، وفي الأصل « لا يبدله » . ( 7 ) حزبه الأمر كنصر : اشتد عليه ، وفي الأصل « حتى لو » وهو تحريف ، والغناء : الكفاية . ( 8 ) في الأصل ، « وقواه بماله » يشير بذلك إلى ما كان من البرامكة من استئثارهم بأمور الدولة وتصريف أحوال السلطان واحتجان الأموال .