تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩

78 - تعزية له

« أما بعد ، فإن اللّه تبارك وتعالى تولى القضاء في خلقه ، وأوجب عليهم الرضا بما قضى به ، والموت لابدّ منه ، وأمر الدنيا إلى فناء كلّه ، فما أشبه الباقي الذي ينتظر الفناء له ، بالماضي الذي قد أتى الفناء عليه ، وأحوج ما يكون ذو العقل إلى عقله ، وذو الفضل إلى فضله ، حين ينزل به من قضاء ربه ما يبتلى فيه صبره ، ويختبر به تسليمه ، فإن فاته الصبر كان عنده أكبر الرزيّة ، وإن أحرزه كان أعظم الغنيمة ، وقد أحسن اللّه إليك في رأيك ، وما قسم لك ، وعرّفك ما اتخذ به الحجة عليك ، وما ينبغي لك أن تعود بمنفعة على غيرك ، فكيف بك إن عجز ذلك عنك عند اختبار ربّك إياك ، فإذا أخذ منك من قد سبقت النعمة فيه المصيبة به ، مع إمتاعه إياك بطول صحبته على الذي خلق لك منه ، ومنه لك ، ثم قدّمه اللّه قبلك فكان فرطا « 1 » لك ، وعوّضك اللّه أجره ، وجعلك المستخلف بعده ، في الصلة له ، والترحّم والصلاة عليه ، والخلافة في ركنه ، ولم ينزل بك من المصيبة بأخيك ، إلا ما رأيته نزل بالناس في أحبائهم قبلك ، فلا أحسبك رأيت منهم صابرا إلا غبطته « 2 » ، ولا جازعا إلا عجّزته ، فخذ لنفسك بالذي تغبط به غيرك ، واحذر عليها الذي تعجّز فيه سواك ، وإذا ذكر الشيطان مصيبتك ، فاذكر ثواب ربك ، فهو خير لك من نصيبك من حياة أخيك ، فاطلب بذلك صحبته لا يرزؤك ولا ترزؤه ، ولا تدخل فرقة بينك وبينه ، فلعمري لئن كنتما اصطحبتما في الدنيا بما اصطحبتما به من النعمة ، ثم أعطيت صحبته في دار المقامة والرّحمة ، لقد سعد بك وسعدت به ، ونفع اللّه بكل واحد منكما صاحبه ، فما أقدر اللّه على أن يعطيك ذلك فيه باحتسابك إياه ، ويعطيه ذلك فيك بدعائك له ، فإنه قد تقدّم
هامش
( 1 ) الفرط : ما تقدمك من أجر وعمل . ( 2 ) غبطه : تمنى مثل نعمته على أن لا تتحول عن صاحبها .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 109 | أحمد زكي صفوت