تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
منى فيما بيني وبينك أن يذهب باطلا ، ويصير ضائعا ، ويتحول حسنه قبيحا ، ومعروفه منكرا ، ولو كانت منك إساءة فيما بيني وبينك لرأيت أن قد وجب علىّ من حقك ما يوجب احتمال ذلك ، فكيف أهتك حرمتك عن غير إساءة منك ؟ ولو أنى قد هجوتك لكنت لنفسي بهجائك ، أهجى منى لك ، لأنى بذلك لها مكذب فيما سلف من مدحتى إياك ، وثنائى عليك ، وقولي فيك ! فهل يهجو امرؤ غيره بأشدّ من إكذابه نفسه ؟ مع قطع الأخوّة ، وهتك الحرمة ، ولو كنت شاعرا ألتمس بشعرى موضعا ، وأطلب له مخرجا ، ما جعلت مخرجى في صديقي ، الذي هجاؤه علىّ أشدّ منه عليه ، فإن ظهر افتضحت ، وإن خفى احتفظت ، ولو وجدت من أهل الدناءة والسّفاه من شينه بهم ألصق ، وهم به أحقّ ، ما أنا بالقول فيهم بحرىّ « 1 » ، وأيم اللّه إني لأرى الشعر في جميل الأمور ، وحسن الثناء على الصديق قبيحا ، فكيف إذا كان في الظلم العدوان ، والفجعة للإخوان ؟ فاجتمعت نقيصة الشعر ونقيصة الغدر ، ولقد ثقل علىّ ما كان من ذلك وهو باطل ، صونا للنفس عنه ، فكيف أرضى أن يكون منى ما أستحقّه به ؟ وإني لأرجو أن أكون ممن يصبر للوفاء على بليّة إن نزلت ، فكيف أخرج منه بغير اضطرار إلى غيره ؟ ، ولو كنت على وقع عليه « 2 » لكنت بالنقص على نفسي مقرّا ، وكيف أسخط على من أساء القول إلىّ ، إذا أسأت الفعل إلى نفسي ؟ وأسرّ بأن يحسن لي القول وأنا مسئ إلى نفسي في الفعل ؟ فهلّا رغبت بي أن أكون أتيت ذلك ، كما رغبت بك عن التصديق به فيما بيني وبينك ! ولكنك حبست كتبك عنا وقطعت تعهّدك ، ونحن نحسن الظن بك ، وبحالنا عندك ، لا ننزل ذلك إلا على العذر لك ، والشعل منك ، ثم إخراجك ما أخرجت إخراج
هامش
( 1 ) في الأصل « ولو وجدت من أهل الدناءة والسفاه فاسدلهم بهم ألصق وهم به أحق وأنا للقول فهم وهم فيه أحرى » وقد أصلحتها كما ترى . ( 2 ) أي على الاضطرار إلى غير الوفاء .